بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوي، والذي قدر فهدى، أحمده على ما منح محمدا من الهدى، وجعل سنته قدوة لمن اقتدى، الذي قال في خير كلام أنزل للورى، (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى) ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين، أما بعد.
تحدثا في المحاضرة الماضية عن اسم الله الرحمن واسمه الرحيم، وبينا أنهما اسمان من الأسماء يدلان على صفتين من أوصاف الله، صفة الرحمة العامة والرحمة الخاصة، وصفة الرحمة فيهما من صفات الأفعال، وحديثنا اليوم عن بعض ما تيسر من الأسماء التي تدل على صفات الأفعال كاسم الله الخالق واسمه الله الخلاق واسمه البارئ واسمه المصور.
الاسم الثالث والأربعون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله الخالق، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية، وكذلك سماه نبيه صلى الله عليه وسلم، فيما ثبت في السنة النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه في هذه المواضع، كما ورد في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر:24) ، والله عز وجل يذكر اسمه الخالق الذي به خلق كل الشيء، ثم يعقبه بتدبير ما خلق أنه الوحيد المتوكل به كما قال جل في علاه: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الأنعام:102) (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر:62) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فاطر:3) فالخالق ورد اسما في المواضع السابقة ووردت الدلالة على الوصفية في اسمه الخالق في قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (النحل:17) (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (النور:45) (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص:68) (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ) (الزخرف:16) ، وورد اسم الله الخالق أيضا في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) (ص ّ:71) (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16) (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (غافر:62) .
أما في السنة فقد روي الإمام أحمد وصححه الشيخ الألباني من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ غَلاَ السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ سَعَّرْتَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْمُسَعِّرُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلاَ يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ، وقد ثبت من حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري والنواس بن سمعان رضي الله عنهم، والحديث صححه الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخالق، وقد بوب به البخاري والترمذي فقالا: باب مَا