فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 248

جَاءَ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وعند البخاري من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَال: (لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ) وهنا عند البخاري ورد الاسم، وعند مسلم ورد الوصف من حديث أبي هُرَيْرَةَ أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَال: (لَيَسْأَلَنَّكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَقُولُوا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَهُ) .

الخالق في اللغة فعله خلق يخلق خلقا، والخلق مصدر من الفعل خلق، ومنه قول الله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ) (السجدة:7) ، ويأتي الخَلق أيضا بمعنى المخلوق، ومنه قوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (لقمان:11) .

والخالق في أسماء الله تعالى هو الذي أوْجد جميعَ الأشياء بعد أن لم تكنْ مَوْجُودة، وقدر أمورها في الأزل بعد أن كانت معدومة، ويكون معني الخالق أيضا هو الذي ركب الأشياء تركيبا، ورتبها بقدرته ترتيبا، فمن الأدلة على معنى الإنشاء والإبداع وإيجاد الأشياء من العدم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فاطر:3) ومن الأدلة على معنى التركيب والترتيب الذي يدل عليه اسمه الخالق قوله تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:14) .

والخلق قد يأتي أيضا بمعني الكذب، على أساس أن الذي يكذب يؤلف وينشئ كلاما لا يطابق الحقيقة، ومن ذلك المعنى ما ورد في قوله تعالى: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (العنكبوت:17) (قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (الشعراء:137) .

فالخالق في أسماء الله مرد معناه إلى أمرين إما من التقدير وهو العلم السابق، أو القدرة على الإيجاد والتصنيع والتكوين، والتحقيق أن معنى الخالق قائم عليهما معا، وذلك لأن المخلوقات حدوثها مرتبط عند السلف بمراتب القدر، فكل مخلوق مهما عظم شأنه أو دق حجمه لا بد أن يمر بهذه المراتب، وهى علم الله السابق، علم التقدير وحساب المقادير، تقدير كل شيء قبل تصنيعة وتكوينه، وتنظيم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده، ثم بعد ذلك مرتبة الكتابة، وهي كتابة المعلومات وتدوينها بالقلم في كلمات، فالله كتب ما يخص كل مخلوق في اللوح المحفوظ، كتب تفصيل خلقه وإيجاده، وما يلزم لنشأته وإعداده وإمداده، وجميع ما يرتبط بتكوينه وترتيب حياته، ثم بعد ذلك المرتبة الثالثة من مراتب القدر وهي مرتبة المشيئة، فليس في الكون مشيئة عليا إلا مشيئة الله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على ذلك، ثم بعد تأتي المرتبة الرابعة من مراتب القدر وهى مرتبة خلق الأشياء وتكوينها، وتصنيعا وتنفيذها، على وفق ما قدر لها بمشيئة الله في اللوح المحفوظ.

فالله عز وجل هو خالق كل شيء والخالق عند أهل التوحيد واحد وما سواه مخلوق، وهذا أمر اتفقت عليه الكتب الإلهية والفطر البشرية وجميع الأدلة العقلية، ولم يخالف في ذلك إلا مجوس الأمة من القدرية، حيث زعموا أن العبد يخلق فعله من دون الله وقدرته، فأخرجوا أفعال العباد عن تقدير الله وربوبيته ولم يوحدوا الله في مشيئته، فجعلوا العباد هم الخالقون لأفعالهم، فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما، ولا الكافر كافرا ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت