بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) أما بعد ..
فحديثا اليوم يدور حول بعض أسماء الله الحسنى التي تدل على أوصاف فعله، وهي اسم الله المؤمن واسمه المهيمن واسمه الجبار واسمه المتكبر، وقد ذكرنا ستة وأربعين اسما فيما سبق من الحاضرات ونبدأ اليوم بالاسم السابع والأربعين من أسماء الله الحسنى، وهو اسم الله المؤمن، فقد سمي الله نفسه به في كتابه على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في موضع واحد من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر:23) .
ولم يرد في السنة إلا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق الوليد بن مسلم عند الترمذي، وعند ابن ماجة من طريق موسى بن عقبة، وهو حديث ضعيف على قول المحققين من أهل الحديث، والترمذي قال عن الرواية التي أوردها في سننه: (هذا حديث غريب وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث) ، وقال ابن كثير في تفسيره: (والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: (فتعيينها ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه) ، وعلى ذلك لا يصلح الحديث للاحتجاج به على الأسماء الحسنى لأنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت الآية كافية شافية في إثبات الاسم وعده وحصره ضمن الأسماء.
والمؤمن في اللغة اسم فاعل للموصوف بالإيمان وأصله أمن يأمن أمنا، والأمن هو ما يقابل الخوف، والإيمان في حقنا هو الاعتقاد الجازم الخالي من الشك والخوف، وأصل الإيمان هو التصديق والثقة، كما قال سبحانه وتعالى عن إخوة يوسف: (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (يوسف:17) أي لفرط محبتك ليوسف لا تصدقنا، واسم الله المؤمن فيه عدة أقوال، كلها يدل عليها الاسم ويشملها لأنها من معاني الكمال الذي اتصف به رب العزة والجلال:
القول الأول في معنى اسم الله المؤمن: أن المؤمن هو الذي أمن الناس أنه لا يظلم أحدا من خلقه، وأمن من آمن به من عذابه، وهذا القول منسوب لعبد الله بن عباس رضي الله عنه، فالله عز وجل لا يظلم أحدا من خلقه، وكل سينال ما يستحق، ولا يبخسه الله شيئا مما له من الحق، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيما ً) (النساء:40) ، وقال: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا