فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف:49) . والقول الثاني في معنى اسم الله المؤمن: أن المؤمن هو المجير الذي يجير المظلوم من الظالم، كما قاله محمد بن كعب القرظي، وذلك على اعتبار أن الله عز وجل هو الذي يجير المظلوم من الظالم بمعنى يؤمنه وينصره، كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون:88) ، وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الملك:28) لن يجدوا ملاذا ولا مأمنا من دون الله (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (الجن:22) ، وعند أبي داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ) , وعند البخاري ومسلم من حديث أَبِى مُوسَى الأشعري رضي الله عنه أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِى لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ ثُمَّ قَرَأَ:(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهي ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) .
القول الثالث في معنى اسم الله المؤمن: أنه الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه، لأنه الواحد الذي وحد نفسه بشهادته في قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) (آل عمران:18) ، وهذه الآية تحمل أعظم المعاني في كشف حقيقة الحياة، وكيف أنها جعلت لتوحيد الله، فلما كانت شهادة التوحيد المبنية على توحيد العبادة لله، ونفي ألوهية ما سواه، هي أصل دعوة الرسل ومبني قضيتهم التي جاهدوا من أجلها، وكانت هذه القضية مثار إنكار المشركين وخلافهم مع رسلهم، وجب الفصل بين الجميع في هذه القضية بحكم عدل يصدق أهل الحق ويكذب أهل الباطل، فمن المعلوم أنه عند الاختلاف بين الناس ترفع الأمور إلى القضاء، والقضية تتطلب قاضيا وحكما يفصل في الخلاف، وكذلك إعلام المختلفين ودعوة المعنيين من سائر الأطراف، كما أنها تتطلب أيضا دفاعا عدلا، وحججا وجدلا، وشهودا وقسما وشهادة وبينة، وتتطلب في نهايتها الحكم وفق دستور ثابت أو منهج ونظام، هذا مع توفر القدرة على تنفيذ ما يستصدر في القضية من أحكام، ويزداد الأمر جلاء ووضوحا إذا أضفنا إلى ما تقدم أن قضية توحيد العبادة لله هي في حقيقتها ابتلاء وامتحان للإنسان، الإنسان الذي استخلفه الله في أرضه، واستأمنه على ملكة، وميزه على كثير من خلقه، وأنه سبحانه وتعالى حذر الإنس والجان من الشرك والكفر العصيان، وسوف يقضى بينهم بالحق وهو أحكم الحاكمين.
فالله عز وجل وله المثل الأعلى جعل قضية الخلق هي شهادة ألا إله إلا الله وأنه لا معبود بحق سواه، وجعل أحكام العبودية أو الأحكام الشرعية هي المنهج المقرر على طلاب السعادة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:38) .
فإذا أهمل طلاب السعادة في الدنيا والآخرة منهج الهداية، وتناسوا مرحلة الابتلاء والكفاح، والرغبة في النجاح والفلاح، وخابوا في امتحانهم وتسببوا في رسوبهم، وذلك بمخالفتهم لرسلهم، ثم أعلنوا زورا وبهتانا أنهم كانوا على الصواب، وأنهم الكثرة الغالبة عند الحساب، وأنهم أجابوا بادعائهم وفق ما جاء في الكتاب، وعند التحقيق في القضية طلبوا شهادة أستاذهم أو شهادة داعيتهم أو أولو العلم من قومهم، الذين نقلوا لهم مراد ربهم، فشهد أولو العلم