بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الأولى
الرب الإله الواحد الأحد
الحمد لله الذي تفرد بأسمائه وصفاته، فلا شبيه له ولا نظير، ولا ند ولا مثيل، قال لعبده المصطفي صلى الله عليه وسلم: (طه مَا أَنزَلنَا عَليْكَ القُرْآنَ لتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لمَن يَخْشَى تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ العُلى الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِن تَجْهَرْ بِالقَوْل فَإِنَّهُ يَعْلمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ لهُ الأَسْمَاء الحُسْنَى) (هُوَ اللهُ الخَالقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (الحشر:24) .
ونصلي ونسلم على سيد الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، والذي قال عنه رب العالمين: (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَليْهِ وَسَلمُوا تَسْليما ً) (الأحزاب:56) فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين، أما بعد.
فقد ثبت عن نبينا أنه قال: (إنَّ للهِ تِسعةً وتِسْعينَ اسمًا، مائةً إلا واحدة، مَن أحصاها دَخَل الجنَّة) ومن هذا الباب نحاول طمعا في الأجر والثواب أن نحصي أسماء الله عز وجل على حسب توفيق الله وتيسيره، وهدايته في الوصول إلى الاسم وتفسيره، وسوف ننتهج في ذلك منهجا ثابتا نفرق فيه بين الاسم والصفة، فقد علمنا أن أسماء الله أعلام وأوصاف، أعلام تدل على ذاته دون غيرها، وأوصاف تحمل معان قائمة بالذات وكمالها، وسوف نحاول في هذه المحاضرات وغيرها من المحاضرات البحث في النصوص القرآنية وما ثبت في السنة النبوية عن الاسم في حال العلمية لا الوصفية، متبعين ما بيناه من أن أسماء الله هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها، إضافة إلى علامات الاسم المعروفة في اللغة والمشتقة غالبا من صيغ المبالغة، ثم نبين في شرح الأسماء المعنى المقصود في كل اسم ودلالته على الصفة، سواء بدلالة المطابقة أو التضمن أو اللزوم، وكيف ندعو الله به دعاء مسألة ودعاء عبادة كما قال تعالى: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:180) واليوم نبدأ في هذه المحاضرة بالأسماء الدالة على صفات الذات، ونتحدث عن أربعة أسماء منها، وهي اسم الله الرب واسمه الإله واسمه الواحد واسمه الأحد.
الاسم الأول: اسم الله الرب، السؤال الآن ما هو السبب الذي من أجله كان اسم الرب من أسماء الله الحسنى؟ والإجابة على ذلك تتمثل في أن الله عز وجل سمي نفسه به على سبيل الإطلاق والتقييد مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من مواضع القرآن والسنة، فقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه في غير موضع من القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى: (قُل يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالحَقِّ وَهُوَ الفَتَّاحُ العَليمُ) (سبأ:26) فأسندت إليه الجملة وقال تعالى: (وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان:30) حيث دخلت عليه ياء النداء، ومثله قوله: (وَقِيلهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) (الزخرف:88) والتنوين في قوله: (لقَدْ كَانَ لسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لهُ بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور ٌ) (:15)