والتنوين والجر في قوله: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (يّس:58) وحرف الجر وحده كقوله تعالى: (الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) (البقرة:147) (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لهُمْ قَوْلًا مَيْسُورا ً) (الإسراء:28) وحرف الجر إلى: (لكُل أُمَّةٍ جَعَلنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعَلى هُدىً مُسْتَقِيم ٍ) (الحج:67) (أَلمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّل) (الفرقان:45) (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَسَاقُ) (القيامة:30) (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (العلق:8) وحرف الجر الباء (وَكَمْ أَهْلكْنَا مِنَ القُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (الإسراء:17) وأقسم الله بنفسه باسمه الرب فقال: (فَوَرَبِّكَ لنَسْأَلنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر:92) (فَوَرَبِّكَ لنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْل جَهَنَّمَ جِثِيًّا) (مريم:68) .
وكل هذه النصوص القرآنية تدل على علمية اسم الرب وأنه من الأسماء الحسنى التي أمرنا الله بأن ندعوه بها، ومن السنة ما ورد عند البخاري (3137) من حديث أنس بن مالكٍ عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ رضيَ الله عنهما أن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: (فأتيتُ على موسى فسلمت عليه فقال: مَرحبًا بكَ من أخ ونبيّ فلما جاوَزتُ بكى، فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب، هذا الغلامُ الذي بُعِثَ بعدي يَدخُل الجنةَ من أُمَّتهِ أفضلُ ممّا يدخلُ من أمَّتي) .
وعند البخاري أيضا (4607) من حديث سعيد بن جُبير عن ابن عباسٍ أنه سمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئل: أي الناسِ أعلم ُ؟ فقال: أنا، فعتبَ اللهُ عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأوحى اللهُ إليه: إنَّ لي عبدًا بمجمَع البحرين هو أعلمُ منك، قال موسى: يا ربِّ فكيف لي به؟ قال: تأخذُ معك حُوتًا فتجعله في مِكتَلٍ، فحيثما فقدتَ الحوتَ فهو ثمَّ .. الحديث)، وعند البخاري أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (واشْتكَتِ النّارُ إلى ربِّها فقالت: يا ربِّ أَكل بَعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتاءِ ونفَسٍ في الصَّيف ِ) ، والأدلة كثيرة على أن الرب اسم من أسماء الله الحسنى، سمي الله به نفسه في كتابه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم.
والرب اسم من مشتق من صفة الربوبية، والرب في اللغة مصدر من معنى التربية، الرب هو الذي يربي غيره وينشئه شيئا شيئا، فوصف الرب يكون لمن أنشأ الشيء حالا فحالا إلي حد التمام، أو إصلاح شئون الغير ورعاية أمره بانتظام، ويطلق الرب في اللغة على المالك مالك الشيء، تقول: هذا رب الإبل ورب الدار أي مالكها، ويطلق على السيد المطاع ومنه قوله تعالى: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا) ، أي سيده المطاع، ويطلق الرب أيضا على المعبود، ومنه قول الشاعر: أرب يبول الثعلبان برأسه: لقد ذل من بالت عليه الثعالب.
والرب عند الإطلاق لا يقال إلا لله تعالى، وهو المتكفل بخلق الموجودات وإنشائها، والقائم علي هدايتها وإصلاحها، وهو المنظم لمعيشتها المدبر لأمرها، يقول تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يُغْشِي الليْل النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ) (الأعراف:54) ، فربنا تبارك وتعالى هو المتكفل بالخلائق أجمعين إيجادا وإمدادا (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلى كُل نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) (الرعد:33) (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَليمًا غَفُورًا) (فاطر:41) .