وخلاصة معنى الرب أنه هو الذي يخلق ويدبر ما خالق كما ورد في قوله تعالى عن موسى عليه السلام هو يبين حقيقة الربوبية ومعناها لفرعون لما سأله عنها: (قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَال رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى) فالآية دلالتها صريحة على أن موسى عليه السلام لما سئل عن الربوبية أجاب فرعون عن كل معاني الربوبية في معنيين جامعين، الأول منهما هو إفراد الله بتخليق الأشياء وتكوينها وإنشائها من العدم حيث أعطى كل شيء خلقه ووجوده، والثاني هو إفراد الله بتدبير الأمر في خلقه وهدايتهم إلي قيام شؤنهم وتصريف أحوالهم والعناية بهم، ويقول تعالى: (اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُل شَيْءٍ وَكِيل لهُ مَقَاليدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) (الزمر:63) .
والرب اسم يدل على ذات الله وصفة الربوبية بالمطابقة وعلى ذات الله وحدها بالتضمن وعلى الربوبية وحدها بالتضمن، ويدل باللزوم على الصفات اللازمة لقيام الربوبية كالحياة والقيومية والعلم والمشيئة والقدرة، والملك والغنى والقوة، والإحياء والإبقاء والهداية، والرزق والإمداد والرعاية، والإفناء والإماتة والإعادة، والهيمنة والعزة والإحاطة، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الأفعال لتخليق الشيء وتصنيعه، وكمال إيجاده واختراعه، فصفة الخالق أن يستغنى بنفسه فلا يحتاج إلي غيره، وأن يفتقر وإليه كل من سواه، كما أن اسم الرب يدل أيضا بدلالة اللزوم تدبير أمر المخلوقات وتقدير أحوالهم، والقيام على شئونهم، والعناية واللطف بهم، والهداية إلي ما يصلحهم، والفصل والقضاء والحكم بينهم، وتهيئة الكون لتحقيق الغاية من خلقهم.
كيف ندعوا الله باسمه الرب دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة هو أن يذكر الاسم في دعائه وتضرعه لربه كقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ) (البقرة:127) (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِل عَليْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلى الذِينَ مِنْ قَبْلنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلنَا مَا لا طَاقَةَ لنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلى القَوْمِ الكَافِرِينَ) (البقرة:286) (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لنَا مِنْ لدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّاب ُ) (آل عمران:8) (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ ليَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلفُ المِيعَادَ) (آل عمران:9) (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (المؤمنون:109) (وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) (الفرقان:65) (وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلنَا للمُتَّقِينَ إِمَاما ً) (الفرقان:74) وعند البخاري من حديث شدّاد بن أوسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيِّد الاستغفار اللهم أنتَ ربي لا إلهَ إلا أنت، خلقتَني وأنا عبدُك وأنا على عهدِكَ ووعدِك ما استَطعت، أبُوءُ لك بنعمتك، وأبوءُ لك بذنبي، فاغفِرْ لي، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعت إذا قال حينَ يُمسي فمات دخل الجنَّة أو كان من أهل الجنة وإذا قال حِينَ يُصبح فمات من يومِه دخل الجنَّة) .
أما دعا الله باسمه الرب دعاء عبادة فيظهر العبد بمظهر العبودية ويخلع عن نفسه أوصاف الربوبية لعلمه أن المنفرد بها هو الله، فيثبت أوصاف العظمة لله، ويفرده بالعلو والكبرياء، ولا ينازع رب العالمين في منهجه، أو يتخلف عن اتباع شريعته، فدعاء العبادة هنا عمل وتربية وتنفيذ الأوامر الشرعيه، تجعل المسلم في أرقي حالاته الإيمانية، فهذا إبراهيم عليه السلام: (قَال أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلا رَبَّ العَالمِينَ الذِي خَلقَنِي فَهُوَ