بسم الله الرحمن الرحيم
شرح الأسماء الحسنى الدالة علي صفات الفعل
المحاضرة الثامنة
الحمد لله الذي يغفر الذنب ويعفو عن الزلل، تنزه مولانا عن النقص والعلل، سبحانه من إله عظيم خلق كل شيء بحكمته وعدل، عز بقدرته وعزته فامتنع، وعلا بذاته وشانه فارتفع، وذل كل شيء لعظمته وخضع، وأمسك السماء عن الأرض أن تقع، وفرش الأرض فانبسط سهلها واتسع، ووهب ونزع، وضر ونفع، وأعطى ومنع، وسن وشرع، وخص وجمع، إلهنا إله عظيم تواب، غفور وهاب، (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) (الرعد:13) ، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد وسوله، أشرف الأنبياء والمرسلين، وآخر نبي للخلق أجمعين، وصاحب المقام عند مجيء رب العالمين، فاللهم صلي عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فحديثنا عن أسماء الله الحسنى نبدؤه اليوم بالاسم الواحد والسبعين في ترتيب الأسماء التي نحصيها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
الاسم الواحد والسبعون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله المقدم، فقد سماه به النبي صلى الله عليه وسلم علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في غير نص من النصوص النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، كما جاء في الحديث المتفق عليه عند البخاري والمسلم من حديث ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ .. إلى أن قال اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ) ، وعند البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَاي وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَي كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) .
واسم الله المقدم لم يرد في القرآن وإنما ورد وصف الفعل في قوله تعالى: (قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) (قّ:28) ولكن اشتقاق الاسم من الفعل مرجعيته إلى النص وليس إلى اجتهاد الشخص، ولذلك فإن ثبوت اسم الله المقدم يرجع لوروده في الأحاديث، وأيضا في صحيح مسلم من حديث عَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَامَ إِلَي الصَّلاَةِ قَالَ: (وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ... قال على رضي الله عنه: ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ) .