بسم الله الرحمن الرحيم
شرح الأسماء الحسنى الدالة علي صفات الفعل
المحاضرة السادسة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) أما بعد ..
الاسم الواحد والستون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله التواب، فقد سمي الله نفسه به علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في كثير من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه كما في قوله تعالي: (فَتَلَقَّي آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة37) ، وقد ورد اسم الله التواب في ستة مواضع معرفا بالألف واللام، كما في سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَي بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة54) ، (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة104) ، وورد اسم الله التواب في خمسة مواضع بالتنوين كما في قوله: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) (النور10) (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (الحجرات12) (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر:3) .
وعند الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أنه قَالَ: (كَانَ يُعَدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَي إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ) ، وعند أبي داود وصححه الشيخ الألباني من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلاَمِ وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَي النُّورِ وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ مُثْنِينَ بِهَا قَابِلِيهَا وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا) .
والتواب في اللغة من صيغ المبالغة من اسم الفاعل التائب، فعله تاب يتوب توبا وتوبة، والتوبة الرجوع عن الشيء إلي غيره، والتوبة ترك الذنب علي أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار علي ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة.
والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم علي ما فرط في حق الناس وحق ربه، والعزم علي ترك المعاودة لذنبه، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من صالح عمله، فمت اجتمعت هذه الأربع، فقد كملت شرائط التوبة، قال تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَي اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) (التحريم/8) ، وقال سبحانه: (إِنْ تَتُوبَا إِلَي اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (التحريم/4) ، والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلي اللَّه، واللَّه تائب علي عبده، والتواب هو الله