والْمُقَدِّمُ في اللغة من التقديم، فعله قدَّمَ يقَدَّم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ) وقَدَمَ يَقْدُم وتَقَدَّمَ يَتَقَدَّمُ واسْتَقْدَم يَسْتَقدِم بمعنى واحد، وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ، والقَدَم كلُّ ما قدّمْتَ من خير أو شر، وتَقَدَّمَتْ لفُلان فيه قَدَمٌ، أي تَقَدُّم في خير وشرٍّ، والقَدَمُ والقُدْمةُ، السَّبْقَةُ في الأمر، (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (يونس:2) ، ومعنى قدم صدق يعني عملًا صالحًا قدّموه، يقال: لفلان قَدَمُ صِدْقٍ أَي أَثرَةٌ حَسَنة، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات:1) ، قال الزجاج: معناه إِذا أُمرتم بأَمر فلا تفعلوه قبل الوقت الذي أُمرتم أَن تفعلوه فيه، ويقول تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) (الحجر:24) قيل معناه، لقد علمنا المستقدمين منكم في طاعة أو من يأْتي منكم أَولًا إِلى المسجد ومن يأْتي متأَخرًا، أو من يتقدم من الناس على صاحبه في الموت.
والتقديم والتأخير من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الرب أو فعل العبد، فالتقديم والتأخير المتعلق بتدبير الله ينقسم إلى نوعين، نوع كوني وآخر شرعي، فالتقديم الكوني تقدير الله في خلقه وتكوينه وفعله، كما ورد ذلك في قوله تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس:49) ، وقوله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل:61) ، وقوله: (قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ) (سبأ:30) ، وأيضا من التدبير الكوني في التقديم، اصطفاء الحق لمن شاء من خلقه، وتقديم بعض خلقه على بعضه، بناء على حكمته في ابتلاء المخلوقات، (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (آل عمران:33) وقوله عن مريم: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:42) وقوله عن طالوت: (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247) .
أما التقديم الشرعي فهو متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل، وتقديم بعض الأحكام على بعض، لما تقتضيه المصلحة التي تعود على العباد، كما في سنن النَسائي وصححه الشيخ الألباني من حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه أَنَّ نَبِي اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ، وفي صحيح مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَوْ تَعْلَمُونَ أَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً) ، وفي سنن أبي داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ) ، ولا عبرة بمن ادعى أنه لا يرغب في التقدم إلى الصف الأول بحجة أن الناس يطلبون فيه الأجر والعبادة الحق هي ما يكون بغير عوض ولا طلب للأجر، وعند البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) .