فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 248

فالمُقَدِّم هو الذي يُقَدِّم الأشياءَ ويَضَعها في مواضِعها على مقتضى الحكمة والاستحقاق، فمن اسْتَحقّ التقديمَ قدّمه ومن استحق التأخير أخره، والله تعالى أيضا هو المقدم الذي قدم الأحباء وعصمهم من معصيته، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء تشريفا له على غيره، وقدم أنبياءه وأولياءه على غيرهم، فاصطفاهم ونصرهم وطهرهم وأكرهم.

واسم الله المقدم يدل علي ذات الله وعلي صفة التدبير كصفة فعل بدلالة المطابقة وعلي ذات الله وحدها بالتضمن فعل التقديم بدلالة التضمن ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية والسمع والبصر والعلم الأحدية والقدرة والصمدية والغني والعزة والجلال والعظمة والعلو القوة وغير ذلك من أوصاف الكمال، واسم الله المقدم دل علي صفة من صفات الأفعال.

كيف ندعو الله باسمه المقدم دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في الأحاديث السابقة: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَي كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) ، أما دعاء العبادة ففيه يقدم العبد ما قدمه الله، ويرقب ما قدمته يداه، ويقدم منهج الله في هذه الحياة، ويراعي الشرع في تقديم الأوليات، ولا يقدم عقله وهواه على كتاب الله، فالمرء يوم القيامة (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر:24) والله يقول: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل:20) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر:18) . الاسم الثاني والسبعون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله المؤخر، فقد سماه به النبي صلى الله عليه وسلم علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في غير نص من النصوص النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه كما جاء في الأحاديث المتفق عليه والتي وردت في اسم الله المقدم (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) ، (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَي كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) .

والاسم لم يرد في القرآن وإنما ورد الفعل في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ) (هود:8) (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) (إبراهيم:44) (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) (النساء:77) (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء:62) (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (المنافقون:10) ، ولكن الاشتقاق من الفعل مرجعته إلى النص وليس إلى اجتهاد الشخص، ولذلك فإن ثبوت اسم الله المؤخر لوروده في الأحاديث.

والمؤخر في اللغة عكس المقدم، يقال أخّر وتأخّر عكسها قدَّم وتقدَّم، وعند البخاري من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُصَلِّىَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّى عَلَى ابْنِ أُبَىٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّى يَا عُمَرُ)، وعند البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النبي صلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت