فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 248

بخطئهم، وصحة ما جاء عن رسلهم، فما كان منهم إلا أن كذبوهم ولم يقروا بخطئهم، بل طالبوا بمن هو أعلى من وصفهم، حتى لو كان من الملائكة المقربين لربهم، ليشهد بصحة جوابهم واستحقاقهم للنجاح، فشهدت الملائكة أيضا بخطئهم وصحة ما جاء عن رسلهم، فكذبوهم، وطالبوا بشهادة من وضع الاختبار، ومن يرجع إليه الفصل والقرار، وأقروا على أنفسهم أن شهادته هي الفيصل في القضية، وأن حكمه ملزم لكل الأطراف المعنية، فقراره للجميع إلزام، وشهادته قضاء وإعلام، وحكمه حكم لا يرد، فهو الحد الذي يفصل بين المتنازعين، ويميز بين المؤمنين والمشركين، فكان قضاء أحكم الحاكمين، وله المثل الأعلى أنه شهد بصدق المرسلين وخسران المشركين، وكانت شهادته أنه صدق الموحدين وأنصف مذهبهم وكذب الكافرين، وصدق الملائكة وأولى العلم وشهد أنه لا إله إلا هو وأنها كلمة، شهادة فيها إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع من ضل من العبيد، فتضمنت كلمة التوحيد أجلَّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به.

فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت عند السلف هذه المراتب الأربع، علمه بذلك سبحانه وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به، وعبارات السلف في الشهادة تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار، وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فالمشركون لما كذبوا أولى العلم في دعوتهم إلى توحيد العبودية وإفراد الله بالألوهية شهدت الرسل بصدقهم وكذبت المشركين، فتمادى المشركون في غيهم، وكذبوا أيضا شهادة المرسلين فشهدت الملائكة بصدق المرسلين، فهي التي نزلت بالوحي عليهم، وبلغت دعوة التوحيد إليهم، فتمادى المشركون في إفكهم وكذبوا الملائكة وأولى العلم، فشهد الله بصدق ملائكته ورسله وأولى العلم قائما بالقسط لأنه المؤمن الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه، كما قال سبحانه وتعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (آل عمران:19) .

القول الرابع في معنى اسم الله المؤمن: أن المؤمن هو الذي يصدق مع عباده المؤمنين في وعده، ويصدق ظنون عباده الموحدين ولا يخيب آمالهم، قال تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران:95) (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) (الأنبياء:9) (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر:55) ، وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قال: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَي أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَي بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) ، وعند النسائي وصححه الشيخ الألباني من حديث ابْنِ عُمَرَ أنه قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَي دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَي عَلَيْهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ)، فالمؤمن في أسماء الله هو الذي يصدق في وعده، وهو عند ظن عبده لا يخيب أمله ولا يخذل رجاءه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت