فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 248

ولا يمكن أن يكون قويا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون عليا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون غنيا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون عزيزا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون عظيما إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون رحمنا رحيما إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون سميعا بصيرا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون كريما رءوفا رحيما، ملكا قدوسا سلاما، مؤمنا مهيمنا عزيزا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون جبارا متكبرا خالقا، بارئا مصورا غنيا إلا إذا كان حيا، فجميع أسماء الله تدل على صفة الحياة التي تضمنها اسمه الحي، وهذه قضية عقلية نقلية، عقلية كما تقدم، ونقلية بينها الله في القرآن في أفضل بينان بأجمل برهان، قال تعالى: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر:14) ، لماذا لا يستجيبون لمن دعاهم واستغاث بهم؟، لأنهم موتى، والموتى عند موتهم يموتون بذواتهم وصافتهم، وتبقي سيرتهم فقط وجميل أفعالهم، فلا يقال عالم وهو ميت بل يقال كان عالما، ولا يقال غني وهو ميت بل يقال كان غنيا، ولا يقال قوي وهو ميت بل يقال كان قويا، ولا يقال ملك وهو ميت بل يقال كان ملكا عادلا أو ظالما، وعند مسلم من حديث صهيب الرومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ) كان ملكا ولكنه الآن سلب عنه الوصف بزوال الحياة.

والملك أو ملكية الشيء أو حق التملك له سببان: السبب الأول صناعة الشيء وإنشائه، وخلقه وإيجاده، فالمخترع يأخذ براءة الاختراع، والمؤلف هو الذي ينفرد بحق الطبع والتأليف، وعند البخاري قَال عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لهُ، ولا يمكن لملك من ملوك الدنيا أن يؤسس ملكه بمفرده، لا بد من وجود من يساعده، ويقف معه ويسانده من قرابته أو من حزبه وجماعته، أو إخوانه وقبيلته، لكن الإله الحق من الذي ساعد في إنشاء الملك؟ ومن الذي عاونه في صناعة الخلق؟ ومن الذي رفع السماء وفصلها عن الأرض؟ يقول تعالى: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلينَ عَضُدًا) (الكهف:51) .

أما السبب الثاني لاستحقاق الملك فهو دوام الحياة، فدوام الحياة يؤدي إلى انتقال الملكية وثبوت التملك، فمن شروط الإرث التحقق من موت المورث، ثم التحقق من حياة الوارث ولو بلحظة، فدوام الحياة ولو للحظة يوجب انتقال الملكية إلي الغير، وإذا كان كل من علي الأرض زائلا فان، يدركه الموت في أي زمان ومكان، كما نص على ذلك القرآن، فقال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال والإكرام) (الرحمن:27) ، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إِليْنَا تُرْجَعُون َ) (العنكبوت:57) ، إذا كان كل من علي الأرض زائلا فان، ولا يبقى فيها ملك مالك من بنى الإنسان، فإن ميراث السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ينفرد به الملك الحق: (وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران:180) .

ذلك لأن الحياة وصف ذاته، والإحياء وصف فعله، والله لما ذكر الله الاسم الأعظم، فقال (اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) قال بعدها: (لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (البقرة:255) ، فالملوك حياتهم لا تدوم، وحتما سيأتيهم الموت بالضرورة واللزوم، ولن يبقى إلا الحي القيوم ملك الملوك: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفي عَلى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لمَنِ المُلكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ) (غافر:16) ، فإذا مات الكل فلمن ينتقل الإرث والملك؟ الملك لله في البدء عند إنشاء الخلق فلم يكن أحد سواه؟ والملك لله في المنتهى عند زوال الأرض لأنه لن يبقى من الملوك سواه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت