فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 248

فهل يجرؤ أحد بعد ذلك أن ينسب الملك لغير الله، إلا على سبيل الابتلاء في هذه الحياة؟ فهل يجرؤ أحد بعد ذلك أن يشرك بالله في الاستغاثة والدعاء، أو المحبة والخوف والرجاء؟

فدعاء غير الله شرك أكبر، لأنه يستلزم إثبات الصفات الإلهية للأنداد من الأموات، كالعلم والسمع والبصر والغنى وغير ذلك، وقد نفي الله عنهم ذلك لأنهم أموات، فقال: (ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلكُ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير ٍإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل:21) (إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَليَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف:194) يعنى عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ يموتون كما تموتون، وتفنى أوصافهم وإلي الله يرجعون، فابتغوا بالدعاء عند الحي القيوم، ولذلك قال تعالى: (هُوَ الحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ) (غافر:65) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل اسم الله الحي القيوم هو الاسم الأعظم، وقد علمنا أن جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا تدل علي اسم الله الحي بدلالة اللزوم، فما الذي يضيفه انضمام اسم الله الحي لاسمه القيوم؟

القيم في اللغة هو السيد الذي يسوس الأمور ويدبرها، فقيم البلدة سيدها وأمينها ومدبرها، الذي بيده تدبير أمرها، فالقيوم من قام وأقام، قام بذاته فلا يحتاج إلى غيره، وأقام غيره لافتقاره إليه، وعند الإمام البخاري البخاري من حديث ابْن عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ إِذَا قَامَ مِنَ الليْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) ، (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُل سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَل زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الرعد:33) .

والقيوم أيضا هو القائم بنفسه، الذي بلغ مطلق الكمال في وصفه، والباقي بكماله ووصفه على الدوام، دون تغيير أو تأثر، فقد يكون الحي سميعا لكن يتأثر سمعه مع مرور الوقت، فيفتقر إلى وسيلة إضافية للسماع، فيضع سماعة يستعين بها، فلا بد أن يكون قيوما في سمعه له البقاء والكمال فيه على الدوام، وقد يكون الحي بصيرا لكن بصره يتأثر مع مرور الوقت، فيفتقر إلى وسيلة إضافية للإبصار، فيضع نظارة يستعين بها، فلا بد أن يكون قيوما في بصره له البقاء والكمال فيه على الدوام، فالحي قد يكون متصفا بالصفات لكنه يتأثر بالسنة والغفلة، والإرهاق والتعب، فتضعف بعض صفاته أو تتأثر، وربما ينام فتنعدم أوصافه حال النوم، فلو كان قائما دائما لكملت حياته وبقيت صفاته، ولذلك قال تعالى: (اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) فأثبت الحياة والقيومية في أسمائه وصفاته بطريقين اثنين: طريق الإثبات، وطريق النفي، وهي من أبلغ طرق المدح التي اتبعها السلف الصالح في مدح ربهم، فطريقة السلف في إثبات الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل، نفي النقص مجملا وإثبات الكمال مفصلا، وإذا نفوا عن الله وصف نقص أثبتوا له كمال المقابل، فالنفي عندهم يضمن كمال الضد والمقابل، فالله عز وجل نفي عن نفسه، كل صفات النقص إجمالا، مرة واحدة، فقال: (ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، وقال: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلمًا) ، وقال: (هَل تَعْلمُ لهُ سَمِيًّا) ، وقال: (وَلمْ يَكُنْ لهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ، وقد وأثبت الله لنفسه صفات الكمال تفصيلا فقال تعالي: (الرَّحْمَنُ عَلي العَرْشِ اسْتَوَي) ، وقال: (هُوَ اللهُ الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، هُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت