فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 248

اللهُ الذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَي، يُسَبِّحُ لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)، وغير ذلك من الآيات التي عدد الله فيها أسماءه وصفاته مثبتا لها، ولكمالها وجمالها جلالها، معددا لها ومفصلا، بعكس طريقة المتحذلقين من المتكلمين، فإنهم يجملون في الإثبات، ويفصلون في النفي، كما فعلت المعتزلة حين أثبتوا أسماء الله مفرغة من الأوصاف، حتى تعود الأسماء جميعها إلي ذات بلا صفات، ولا قيمة عند ذلك لتعدادها أو الدعاء بها، عكس ما ورد في قوله تعالي يحثنا علي التوسل والدعاء بها: (وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَي فَادْعُوهُ بِهَا) ، كما أن ذلك يجعل الله لا صفة له عندهم، وهذا منكر من القول عظيم، يدرك خطورته من تحقق فيه، وكذلك ما فعلته الأشعرية حيث أثبتوا سبع صفات عقلية، سبعة فقط وعلي مضض.

أما التفصيل في النفي عندهم المتكلمين فكقولهم: ليس بجسم ولا شبح ولا صورة ولا لحم ولا دم، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة، ولا بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا جوهر ولا عرض، ولا اجتماع له ولا افتراق لا يتحرك ولا يسكن ولا ينقص ولا يزداد، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا جوارح ولا أعضاء وليس بذي جهات ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف ولا فوق ولا تحت .. إلي غير ذلك مما يملأ صفحات متعددة.

وهذه طريقة سقيمة في المدح تنافي الفطرة وتبعث علي الاشمئزاز، فهي تماثل قول القائل في مدح الأمير: لست بزبال ولا كناس ولا حمار ولا نسناس، ولست حقيرا ولا فقيرا، ولا غبيا ولا ضريرا، ولست مسخا ولا حيوانا، ولا خائنا ولا جبانا، وكل ذلك يغني عنه الإجمال في النفي الوارد في قوله تعالي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وقوله: (وَلمْ يَكُنْ لهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ، فإن الله نفي عن نفسه كل أنواع النقص جملة واحدة وفي كلمة واحدة.

ومما ينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتا فقوله تعالي: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْم) فيه نفي للسنة والنوم يتضمن كمال الضد، وهو إثبات الكمال في حياته سبحانه وقيوميته، وقوله تعالي: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، فيه نفي الظلم المتضمن لكمال الضد، وهو إثبات كمال العدل، وقوله تعالي: (وَتَوَكَّل عَلي الحَيِّ الذِي لا يَمُوتُ) ، فيه نفي الموت الذي يتضمن كمال الضد، وهو إثبات الحياة الكاملة لله تعالي، وقوله: (عَالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ) ، فيه نفي العزوب المستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات وفي الأرض، وقوله تعالي: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ) ، فيه نفي العجز المتضمن كمال الضد، وهو إثبات كمال العلم والقدرة، (إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) إذا تأملت ذلك وجدت أن كل نفي لا يستلزم إثباتا، لم يصف الله به نفسه، أما المتكلمون فنفيهم نفي مجرد عن إثبات الكمال، فإذا قالوا: ليس بجسم وتساءل العقلاء: هل يكون عرضا؟، قالوا: ولا عرضا، فماذا يكون إذا لم يكن عرضا، هل يكون شبحا؟ قالوا: ولا شبحا، إذا هو داخل العالم؟ قالوا: ولا داخل العالم، فخارجه إذا؟ قالوا: ولا خارجه، إلي غير ذلك من سفسطة القول، ومهاترات النفي، فإن هذا ليس فيه صفة مدح، بل هو ذم ونقص، مدح لله بما يشبه الذم، تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا.

لو قال قائل يصف أحد القبائل: قُبَيِّلةٌ لا يغدرون بذمة: ولا يظلمون الناس حبة خردل، وصفه لهم بعدم الغدر ونفي الظلم ليس مدحا لهم بالوفاء والعدل، ولا إثباتا لكمالهم في الصفات البشرية، وإنما يذمهم بذلك لأن نفيه نفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت