مجرد من إثبات الصفة المقابلة، فعدم الغدر والظلم، سببه العجز وعدم قدرتهم علي الظلم أو الغدر، وليس سببه الوفاء والعدل، فهو ذم بما يشبه المدح، ولذلك قال تعالى في إثبات صفته من خلال أسلوب النفي وأسلوب الإثبات: (اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) ، فأثبت الحياة والقيومية في أسمائه وصفاته بطريقين طريق الإثبات وطريق النفي، وهي من أبلغ طرق المدح التي التزمها السلف في مدح ربهم، والمقصود هنا أن جميع الأسماء الحسنى تدل باللزوم على أن الله عز وجل حي قيوم، ولذلك جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله الأعظم على هذا الاعتبار.
أما الرحمن الرحيم فهما اسم الله الأعظم أيضا على اعتبار آخر، فالرحمن الرحيم مشتق من الرحمة على وجه المبالغة في الوصف، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، فالرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة، وكلاهما مشتقان من الرحمة، ولا عبرة بمن قال بغير ذلك ومنع الاستقاق وجعلهما اسمان جامدان، والدليل على أنه مشتق من الرحمة، ما رواه الترمذي وقال حديث صحح من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى: (أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته) وهذا الحديث نص في أنه مشتق.
قال أبو علي الفارسي: (الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو خاص بالمؤمنين قال الله تعالى:(هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (الأحزاب:43) قال ابن عباس رضي الله عنه: (هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر) ، ولهذا قال تعالى: (الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَل بِهِ خَبِيرًا) (الفرقان:59) ولما قال: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ العُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) (طه:6) ، فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: (وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (الأحزاب:43) فخصهم باسمه الرحيم.
ونحن إذا نظرنا إلى أسماء الله، وخصوصا عند اقترانها وجدنا أنها تدل على كمال الغاية وتمام الحكمة، فالقرآن الذي (لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلفِهِ) ذكر الله في وصفه أنه (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42) فأسماء الله يبديها حسب الحكم والمصالح المقصودة، والغايات الحميدة، ذكر الله تعالى هذين الاسمين عند ذكره للخلق والشرع لينبهنا على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة، حكمة مقرونة بالعلم التام: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (النمل:6) وقوله: (تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) (الزمر:1) فذكر العزة المتضمنة لكمال القدرة والتصرف، والحكمة المتضمنة لكمال الحمد والعلم، وقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة:38) وسمع بعض الأعراب قارئا يقرؤها (والله غفور رحيم) فقال: ليس هذا كلام الله، فقال: أتكذب بالقرآن؟ فقال: لا ولكن لا يحسن هذا، فرجع القارئ إلى خطئه فقال: (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فقال: صدقت.
فالعزيز الحكيم، كل منهما دال على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو العزة في العزيز، والحكمة في الحكيم والجمع بينهما دال على كمال آخر، وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلما وجورا، كما يفعل العزيز مع من كان مقهورا، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم غيره ويجور.