فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 248

ونحن إذا تأملنا ختم الآيات بالأسماء والصفات، وجدنا كلامه مختتما بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام، والاسم الأعظم الذي يناسب هذه الأحكام، حتى كأن الأسماء والأوصاف ذكرت دليلا عليها وعلة لذكرها، كقوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (المائدة:118) أي إن مغفرتك لهم صادرة عن عزة وكمال قدرة، لا عن عجز أو جهل، أو فقر أو ضعف، وقوله: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الليْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيم ِ) (الأنعام:96) (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ) (يّس:38) يذكر ذلك بعد ذكره للأجرام العلوية، والكواكب الدرية، أنها صادر بحكمه عن عزته وعلمه، وليس أمرا تلقائيا اتفاقيا دون تدبير، (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ) (فصلت:12) فتزيين السماء بالنجوم وحراستها، وتقديرها المحكم في صناعتها، صادر عن عزته وعلمه، وحكمته وأمره، فكل شيء موجود إنما هو بفعل مقصود.

ومن هذا أيضا ختام سبحانه قصص الأنبياء في آيات القرآن، ففي سورة الشعراء تجد نهاية كل قصة: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الشعراء:9) ، ختمها باسمين مقترنين، ليبين أن ما حكم به بين الرسل وأتباعهم وأهل الحق وأعدائهم صادر عن عزة ورحمة، فوضع الرحمة في محلها لأوليائه، وانتقم بعزته من أعدائه، فكل شيء موجود إنما هو بفعل من الله مقصود، وحكمة ملك الملوك، فالأمر لم يأت من فراغ، بل هي حكمة وبلاغ، (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) (المائدة:99) (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء:106) وكما قال تعالى في سورة الدخان: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) ، وقال في سورة الرحمن: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ) (الرحمن:7) لتظهر أسماؤه وأحكامه، ومنته وإكرامه، فيلتزم العباد بتكليف الله لهم، ويوحدوا الله في أعمالهم، (أَلا تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ) (الرحمن:9) . وانظر أيضا إلى اقتران السميع بالعليم عند الاستعاذة من الشيطان الرجيم، الذي نعلم وجوده ولا نراه، وكذلك عند الاستعاذة من شياطين الإنس وما نراه، كما ورد في قول الله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف:200) وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ونراهم بالأبصار بلفظ السميع البصير، فقال تعالى: (إِنَّ الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (غافر:56) لأن أفعال هؤلاء مرئية تراها الأبصار، وأما نزغ الشيطان فمحجوب عن الأنظار، خطرات يلقيها في القلب، ابتلاء للعبد من الرب، فأمر بالاستعاذة من خلال الاستعانة بذكر اسمه السميع العليم.

انظر إلى اقتران اسمه الغني بالحليم: قال تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيم) (البقرة:263) (البقرة: 263) ، وفيه الآية معنيان:

الأول: أن الله غني عنكم لن يستفيد شيئا من صدقاتكم، وإنما الحظ الأوفر لكم أنتم، فالصدقة فنفعها عائد عليكم، فكيف تمنون بنفقاتكم على ربكم، وتؤذون بها عباده مع غناه عنكم، وعن كل ما سواه، ومع هذا فهو حليم إذ لا يعاجل المنان منكم بالعقوبة، وهذا وعيد ضمني، وتحذير قوى لمن عاد في ذلك، أما المعنى الثاني فالله سبحانه وتعالى مع غناه التام من كل وجه، هو الموصوف بالحلم، والتجاوز عن الذنب، مع واسع عطائه وكمال نعمائه، فكيف يؤذي أحدكم غيره بمنه وأذاه، مع قلة ما يعطي مهما بلغ غناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت