الكَرِيمِ) (المؤمنون:116) ولما ذكر إعراض الخلق عن عبادته ذكر العرش وأنه الملك: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُل حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) (التوبة:129) (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (المؤمنون:116) (قُل لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا) (الإسراء:42) (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) (النمل:26) (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) (غافر:15) (ذُو العَرْشِ المَجِيدُ) (البروج:15) .
فالعلي دل على علو الذات والفوفية، وكثير من الناس يحاولون تفسير العلو في اسمه العلي بعلو المكانة المنزلة هربا من إثبات علو الذات والفوقية، وظنا منهم أن الاستواء على العرش يوجب التشبيه، كما قال أبو حامد الغزالي في المقصد الأسمى: (العليُّ هو الذي يَعلو على خَلقِه بقهرِهِ وقدرَتِهِ، ويستحيلُ وصفُه بارتفاعِ المكانِ لأنه تعالى منزّهٌ عن المكانِ والله خالِقُه ُ) .
فجعل اسم الله العلي دالا على معنيين فقط من معاني العلو، وهو علو الشأن وعلو القهر وعطل المعنى الثالث الذي هو علو الذات والفوقية، والذي دل عليه استواء الله على عرشه، فمعاني العلو عند السلف ثلاثة معان دلت عليها أسماء الله المشتقة من صفة العلو، فالعلي دل على علو الذات، والأعلى كما سنري دل على علو الشأن، والمتعال دل على علو القهر، وهؤلاء المتكلمون الأشعرية ينفون علو الذات والفوقية، لأن ذلك عندهم يدل على إثبات المكان لله وما كان في مكان فهو محصور فيه والله ليس كذلك ولذلك لا يجوز عندهم أن يسأل عن الله بأين؟
وهذا مخالف للسنة الصريحة، فالرسول ثبت عنه في حديث الجارية الذي رواه مسلم من حديث مُعَاوِيَة بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ: َكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِى آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّى صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَىَّ قُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ أُعْتِقُهَا قَالَ: ائْتِنِي بِهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ فِي السَّمَاء؟ قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، وهذا الحديث مع وضوحه كالشمس في أن الرسول سأل عن الله بأين والتي لا لبس فيها ولا غموض؟ إلا أن المتكلمين إما يردون الحديث أو يبحثون له عن مخرج.
والمكان في عرفهم لا يطلق إلا على المكان الذي في عالم الشهادة والذي يخضع لأحكامه، أما المكان الغيبي الذي لا يعلم كيفيته إلا الله فهذا لا اعتبار له عندهم، ولذلك فرق السلف بين نوعين من المكان، الأول هو ما كان محصورا خاضعا لأحكامنا في محيط المخلوقات المشهودة، والثاني يراد به المكان الغيبي الذي يخرج عن مداركنا ولا نعلم له كيفية، لصعوبة ذلك علينا، والمكان بهذا الاعتبار لا يخضع بحال من الأحوال لمقاييس المكان في حسابات المخلوقين، فمكان الشيء يحدد في حساب المقاييس الحديثة باعتبار ثلاثة محاور رئيسية متعامدة، اثنان يمثلان المستوى الأفقي الموازى لسطح الأرض والثالث يمثل الارتفاع عن ذلك المستوى، وأجسام الدنيا يحدد مكانها بمدى الارتفاع في المحور الرأسي عن مستوى المحورين الأفقيين، ولاشك أن هذه المقاييس المكانية لا تصلح بحال ما في قياس ما هو خارج عن محيط العالم، وملك الموت عندما يأتي لقبض الروح لا يحجبه جدار محكم أو قرار مغلق كما قال رب العزة والجلال: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (النساء:78) ، فملك الموت مخلوق ولا يخضع في مكانه وزمانه لمقاييسنا التي