يريدون بها الحكم على استواء الله، ومن ثم فلا يصلح أن نمنع دلالة الآيات والأحاديث بحجة أننا لو أثبتناها لكان الله في مكان وما كان في مكان فهو حادث مخلوق، فالرسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال للجارية: أين الله؟ علم أن أين للمكان، ويعلم لوازم قوله، ولو كان في ذلك خطأ وتشبيه وتجسيم كما تدعي الأشعرية ما سأل الجارية بلفظ إثبات معناه يحمل الخلاف والشقاق بين الأمة، والجارية لما قالت في السماء تعني العلو، وشهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان، فلا إشكال عند العقلاء في فهم حديث رسول الله، والأمر واضح جلي ظاهر، فأي اعتراض منهم على ذلك إنما هو اعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصف له بعدم العلم أو بعدم القدرة على التعبير عن المراد.
وعلو الفوقية أو علو الذات الذي دل عليه اسمه العلي ثابت علي الحقيقة بالكتاب والسنة وإجماع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، فهو سبحانه وتعالي مستو علي عرشه بائن من خلقه لا شيء من ذاته في خلقه ولا خلقه في شيء من ذاته، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويري أفعالهم لا تخفي عليه منهم خافية، والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصي وأجل من أن تستقصي والفطرة السليمة والقلوب المستقيمة مجبولة علي الإقرار بذلك، يقوله تعالي: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل:50) فهنا تصريح بالفوقية مقرون بآداة معينة للفوقية بالذات وهي من ويقول: (تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ) (المعارج:4) 555 - وعند البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِى صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) ، لكن عند الأشعرية يعرجون ويبحثون على ربهم فلا يجدونه لأنه عندهم موجود ولا يعلم أحد أين هو؟
ومن الأدلة على علو الذات والفوقية التصريح بالصعود إليه نحو قوله تعالي: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر:10) والتصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله تعالي: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) (آل عمران:55) وعند البخاري في روايتين تفصحان عن عقيدة الصحابة في هذه المسألة الأولي يقول فيها أَنس بْن مَالِكٍ رضى الله: كَانَتْ زَيْنََ بِنْتِ جَحْشٍ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِى فِى السَّمَاءِ، والثانية يقول أَنَسٍ: كَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم تَقُولُ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَماَوَاتٍ، وعند البخاري أيضا من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلقَ كَتَبَ في كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رحمتي غَلَبَتْ غَضَبِى) .
واسم الله العلي يدل على ذات الله وصفة العلو علو الفوقية بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة العلو والفوقية بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والملك والصمدية، والعظمة والقوة، والعزة والقدرة، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لاتصافه بالعلو فوق الكل.
كيف ندعو الله باسمه العلي دعاء مسألة ودعاء عبادة؟، دعاء المسألة كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَلِىُّ الحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّماَوَاتِ وَالأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ، وأيضا في قوله: (مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ حِينَ يَسْتَيْقِظُ لاَ إِلَهَ