إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ العَلِىِّ العَظِيمِ ثُمَّ دَعَا رَبِّ اغْفِرْ لي غُفِرَ لَهُ.
أما دعاء العبادة فهو اعتقاد يدفع إلى الإيمان بعلو الله على خلقه وأنه الكبير الذي يركن إليه العبد، وأن كل من سواه مهما علا فلا يمثل شيئا بجوار علو الله (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) (الحج:62) ، فالله عز وجل هو المنفرد بالعلو والعظمة (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ) (الشورى:4) ، (قُل لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا) (الإسراء:42) المؤمن يعلم أنه لو أعرض عن ربه فهو الخاسر والله هو الغني لأنه العلى في سماه (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُل حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) (التوبة:129) فدعاء العبادة أفعال تدل على توحيد الله وأنه لا يخشى أحدا سواه لأن من أسمائه الحسنى العلى، وإذا كانت الملائكة تخشع عند سماع قوله وتفزع عن إلقاء وحيه كما جاء ذلك في قوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) (سبأ:23) إذا كان هذا أمرها وهذا قولها، فحري بالعبد أن يخشع لسماع كلام الله ويتذلل بين يدي مولاه ويعلم أنه العلى الكبير.
الاسم الخامس عشر هو اسم الله الأعلى، فقد ورد في القرآن والسنة على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من نصوص القرآن والسنة فمن القرآن: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) (الأعلى:1) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى) (الليل:20) ، وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ .. إلى أن قال: ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى، وروي أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى.
واسم الله الأعلى يدل على ذات الله وعلى علو الشأن المطلق بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة علو الشأن المطلق بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والسيادة والصمدية، وانتفاء الشبيه والمثلية، والكمال المطلق في كل شيء، فالله سبحانه تعالي عن جميع النقائص والعيوب المنافية لألولهيته وربوبيته، تعالي في أحديته عن الشريك والظهير والولي والنصر، وتعالي في عظمته عن الشفيع دون إذن أو خضوع، وتعالي في صمديته عن الصاحبة والولد وأن يكون له كفوا أحد، تعالي في كمال حياته وقوميته وقدرته عن السنة والنوم، وتعالي في كمال حكمته عن العبث والظلم، وتعالي في كمال علمه عن الغفلة والنسيان، وعن ترك الخلق سدي دون غاية لخلق الجن والإنسان، وتعالي في كمال غناه يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ ويرزُق ولا يُرزَق، بل هو على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ، تعالي في صفات كماله ونعوت جلاله عن التعطيل والتمثيل، قال تعالي: (هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم:65) (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (الروم:27) . كيف ندعو الله باسمه الأعلى دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء المسألة أن يذكر الاسم في دعائه لربه ليطلب به الاستقامة في أقواله وأفعاله حتى يصل إلى الكمال الذي تقبل به الأعمال ويرفعها رب العزة والجلال، فيتعزز بذل العبودية ويسأل الله باسمه الأعلى أن يكون في الرفيق الأعلى، أما دعاء العبادة فهو عمل يخضع فيه العبد لربه في أعلى درجات