فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 248

قربه، فيدعو الله ويسبحه باسمه الأعلى، وقمة الخضوع تكون في السجود للمعبود، وفي صحيح مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ، وفي سنن أبي داود وابن ماجة وحسنه الشيخ الألباني من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اجْعَلُوهَا في رُكُوعِكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، قَالَ: اجْعَلُوهَا في سُجُودِكُمْ.

ومن دعاء العبادة أن يكون سلوك العبد في الحياة إخلاص يبتغي به وجه الله وأن يكون مطلبه هو الرفيق الأعلى: (وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى) (الليل:20) ، وعند الإمام البخاري من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أنه كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَىَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تُوُفِّىَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَلَىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلتُ آخُذُهُ لَكَ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقُلتُ أُلَيِّنُهُ لَكَ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، إِنَّ لِلمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: في الرَّفِيقِ الأَعْلَى، حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ.

الاسم السادس عشر هو اسم الله المتعال، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في القرآن والسنة، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع علامات الاسم، فمن القرآن: (عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ) (الرعد:9) وروى أحمد في المسند بسند صحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ (وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون َ) قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا الجَبَّارُ أَنَا المُتَكَبِّرُ أَنَا المَلِكُ أَنَا المُتَعَالِ، يُمَجِّدُ نَفْسَهُ، قَالَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرَدِّدُهَا حَتَّى رَجَفَ بِهِ المِنْبَرُ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيَخِرُّ بِهِ) .

والمتعال عند أغلب المفسرين هو المستعلي على كل شيء بقدرته، قال ابن كثير: (المتعال على كل شيء قد أحاط بكل شيء علما وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعا وكرها) ، فالمتعال هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب ولا منازع له سبحانه، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) ، (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون َ) (المؤمنون:91) فلو فرضنا وجود إلهين اثنين متنازعين متشاكسين، مختلفين ومتضادين، وإراد أحدهما شيئا خالفه الآخر، فلا بد عند التنازع من غالب وخاسر، فالذي لا تنفذ إرادته فهو المغلوب العاجز، والذي نفذت إرادته هو المتعالي القادر، وقد أحسنت الجن لما قالت: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا) (الجن:3) ، وقد جمع الله تعالي بين علو الذات وعلو القهر في قوله تعالي: (الأنعام:18) (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام:61) أي هو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله كل شيء وذل لعظمته وكبريائه كل شيء وعلا علي عرشه فوق كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت