فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 248

الصَّالِحَاتِ بِالقِسْطِ وَالذِينَ كَفَرُوا لهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (يونس:4) (قُل هَل مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (يونس:34) (وَهُوَ الذِي يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَليْهِ وَلهُ المَثَلُ الأَعْلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) .

الاسم السابع والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الآخر: فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في نص واحد من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في نص واحد من النصوص النبوية، قال تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ) (الحديد:3) وفي صحيح مسلم، قول النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء) .

واسم الله الآخر يدل على ذات الله وصفة البقاء بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة البقاء وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والغني والعلم والقدرة، والقوة والعزة والعظمة، والملك والعلو وكل ما يلزم لكونه الآخر الذي ليس بعده شيء.

وينبغي أن نعلم أن الآخرية والبقاء وصف الله عز وجل، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وبقاء أهل الجنة والنار خالدين فيها أبدا لا يتعارض مع إفراد الله عز وجل بالبقاء، وأنه الآخر الذي ليس بعده شي، فالسلف الصالح فرقوا بين ما يبقى ببقاء الله وما يبقي بإبقاء الله، فرقوا بين بقاء الذات الإلهية بصفاتها، وبقاء المخلوقات التي أوجدتها تلك الصفات، فالجنة مثلا باقية بإبقائه، وصفاته باقية ببقائه، وشتان بين ما يبقي ببقائه، وما يبقي بإبقائه، فالجنة مخلوقة خلقها الله عز وجل وكائنة بأمره ورهن مشيئة وحكمه، فمشيئة الله حاكمة علي ما يبقى وما لا يبقى، والله قد شاء أن يبقيها، فوجود المخلوقات في الأبد والمستقبل متوال غير منقطع أبد الآبدين، لكنه مرهون بمشيئة رب العالمين، فكلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نقاد له، (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (الطور:22) (لهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلدَيْنَا مَزِيدٌ) (قّ:35) ، فتحقيق المراد لأهل الجنة علقه الله بمشيئتهم إكراما لهم وإظهار لمحبتهم، بعكس الوضع في الدنيا فتحقيق المراد لأهل الدنيا علقه الله بمشيئته لا بمشيئتهم، ابتلاء لهم وإظهار لإيمانهم، ولذلك يقول: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلةَ عَجَّلنَا لهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلنَا لهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوما مَدْحُورا) (الإسراء:18) .

ومن ثم فإن السلف يعتبرون خلد الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية، إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا كمخلوقات خلقها الله الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تعالى، وإبقاء مستمر لا ينقطع، أما صفات الله عز وجل ومنها وجهه ويده وعينه وعلوه، ورحمته وعزته وقوته وملكه، فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته، باقية ببقاء ذاته سبحانه وتعالى، حيث البقاء صفة ذاتية له، كما أن الأزلية صفة ذاتية لله تعالى، فلا بد أن نفرق بين صفات الله وأبديتها، وبين مخلوقات الله الأبدية وطبيعتها، والقرآن الكريم فرق بين نوعين من البقاء، الأول: في قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال وَالإِكْرَامِ) فدلت على صفة من صفات الذات وهى صفة الوجه ودلت على بقاء الصفة ببقاء الذات، فأثبتت بقاء الذات بصفاتها، وأثبت فناء ما دونها أو إمكانية فنائه، إذ أن الله هو الأول والآخر وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء، وكما جاء في الحديث: (اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت