فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 248

وينبغي أن نعلم أن الأولية وصف لله وليس لأحد سواه، وربما يستشكل البعض وصف الله بالأولية مع وصفه بدوام الخالقية والقدرة والفاعلية، فإذا كان الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، فهل يعني ذلك أنه كان معطلا عن الفعل ثم أصبح خالقا فاعلا قادرا بعد أن لم يكن؟ والجواب عن ذلك أن يقال إن الله موصوف بأنه فعال لما يريد كما قال (ذُو العَرْشِ المَجِيد ُفَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج:16) وقد بين الله عز وجل أنه قبل وجود السماوات والأرض لم يكن سوى العرش والماء، كما جاء في قوله تعالى: (وَهُوَ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ) (هود:7) ، ومن حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قَال: (كَانَ اللهُ وَلمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ، ثُمَّ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْض، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُل شَيْءٍ) ، وربما يسأل سائل ويقول: وماذا قبل العرش والماء؟ والجواب: أن الله قد شاء أن يوقف علمنا عن بداية المخلوقات عند العرش والماء، فقال تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ) فالله أعلم هل توجد مخلوقات قبل العرش والماء أم لا؟ لكننا نعتقد أن وجودها أمر ممكن متعلق بمشيئة الله وقدرته، فالله أخبرنا أنه يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء وهو على ما يشاء قدير: (فَعَّالٌ لمَا يُرِيدُ) ، فالله عز وجل متصف بصفات الأفعال، ومن لوازم الكمال أنه فعال لما يريد على الدوام، أزلا وأبدا، سواء كان ذلك قبل العرش والماء، أو بعد وجودهما، لكن الله أوقف علمنا عند هذا الحد، كما أن جهلنا بذلك لا يؤثر فيما يخصنا، أو يتعلق بحياتنا من معلومات ضرورية، لتحقيق الكمال في حياة الإنسان، قال سليمان التيمي رحمه الله: (لو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال السائل: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم) ، ويعقب الإمام البخاري رحمه الله بقوله:"وذلك لقول الله تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ) ، يعني إلا بما بين"، وهذه المسألة تسمي في باب العقيدة بالتسلسل، والتسلسل هو ترتيب وجود المخلوقات في متوالية مستمرة غير متناهية من الأزل والأبد ومعتقد السلف الصالح أن التسلسل في الأزل جائز ممكن، ولا يلزم من ذلك أن الخلق يشاركون الله في الأولية، والشيطان يأتي يلبس على الإنسان في هذه القضية ليجعل الله مشابها لخلقه في الأحكام العقلية، والله وحد نفسه بنفي الشبيه المثلية، وثبت عند البخاري ومسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: (يَأْتِى الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلقَ كَذَا مَنْ خَلقَ كَذَا حَتَّى يَقُول مَنْ خَلقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلغَهُ فَليَسْتَعِذْ بِاللهِ، وَليَنْتَهِ) وروى أبو داود وحسن إسناده الألباني أن أَبا زُمَيْلٍ قَال سَأَلتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلتُ مَا شيء أَجِدُهُ في صدري؟ قَال: مَا هُوَ؟ قُلتُ وَاللهِ مَا أَتَكَلمُ بِه، قَال فَقَال لي أشيء مِنْ شَكٍّ؟ قَال وَضَحِكَ، قَال مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، قَال: حَتَّى أَنْزَل اللهُ عَزَّ وَجَل: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلنَا إِليْكَ فَاسْأَلِ الذِينَ يَقْرَأُونَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) (يونس:94) قَال: فَقَال لي إِذَا وَجَدْتَ في نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُل: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ) .

كيف ندعو الله باسمه الأول دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في الحديث: (اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ) ، أما دعاء العبادة فهو عمل مبني على اعتقاد المرء بأن أصله من طين، له بداية ونهاية في الدنيا وسينتقل إلى أرحم الراحمين: (إِليْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت