(سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ليْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الإسراء:1) (وَاللهُ يَقْضِي بِالحَقِّ وَالذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (غافر:20) (إِنَّ الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (غافر:56) (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَل لكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى:11) ، وعند البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: (كنّا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سَفَر، فكنا إذا عَلونا كبَّرنا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيها الناس اربَعوا على أنفُسِكم، فإنكم لا تَدْعونَ أصمَّ ولا غائبا ً، ولكنْ تدعون سميعًا بصيرًا) .
والبصير هو الذي يبصر خائنة الأعين وما تخفى الصدور، الذي يرى الأشياء كلها ظهرت أو خفيت، دقت أو عظمت، هو الذي يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، واسم الله البصير يدل على ذات الله وصفة الإبصار والرؤية بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة الإبصار وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعلم والهيمنة، والإحاطة والقوة، والعظمة والعزة، وكل ما يلزم لقيام صفة الإبصار ودوامها وما يترتب عليها.
واسم الله البصير دل على صفة من صفات الذات، صفة الإبصار وهي صفة ثابتة لله عز وجل نؤمن بها ولا ندري كيفيتها لأننا ما رأيناه وما رأينا له مثيلا، والله بصير بعين دل على ذلك ما رواه البخاري من حديث عَبْد اللهِ بن مسعود قال: ذَكَرَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَىِ النَّاسِ المَسِيحَ الدَّجَّال، فَقَال: (إِنَّ اللهَ ليْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّال أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) ، وليس إثبات الصفات الله تشبيها كما يظن البعض، قَال الإمام الترمذي: هَكَذَا رُوِىَ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا في هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَمِرُّوهَا بِلاَ كَيْفٍ، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ العِلمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا هَذَا تَشْبِيهٌ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَل في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ اليَدَ وَالسَّمْعَ وَالبَصَرَ فَتَأَوَّلتِ الجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ العِلمِ وَقَالُوا إِنَّ اللهَ لمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِه، وَقَالُوا إِنَّ مَعْنَى اليَدِ هَا هُنَا القُوَّة، وَقَال إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَال يَدٌ كَيَدٍ أَوْ مِثْلُ يَدٍ أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإِذَا قَال سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَهَذَا التَّشْبِيهُ وَأَمَّا إِذَا قَال كَمَا قَال اللهُ تَعَالى يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلاَ يَقُولُ كَيْفَ وَلاَ يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ وَلاَ كَسَمْعٍ فَهَذَا لاَ يَكُونُ تَشْبِيهًا وَهُوَ كَمَا قَال اللهُ تَعَالى في كِتَابِهِ (ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) .
كيف ندعو الله باسمه البصير دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في قول إبراهيم يطلب من ربه في دعائه أن يبصره بمناسك الحج إلى البيت الحرام: (رَبَّنَا وَاجْعَلنَا مُسْلِمَيْنِ لكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَليْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:128) ، وكذلك طلب الحق من سيد الخلق أن يتوكل على الله الذي يراه: (وَتَوَكَّل عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) .
أما دعاء العبادة فهو عمل الموحدين في مرتبة الإحسان التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل في حديث عُمَر بْن الخَطَّابِ حيث قَال له جبريل: (فأخبرني عَنِ الإِحْسَان؟ قَال أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) ، فوجب على العبد أن يراقب ربه في طاعته وعبادته، ويعلم أنه معه من فوق عرشه، بصير بأمره عليم بشأنه، (أَلمْ تَرَ