الغُيُوبِ) (التوبة:78) ، فالله عز وجل عالم بما كان وما هو كائن وما سيكون وما لو كان كيف يكون على ما اقتضته حكمته البالغة.
كيف ندعو الله باسمه العليم دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في صحيح البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَلِيمُ الحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ.
أما دعاء العبادة فهو اعتقاد يدفع إلى الإيمان بأنه مهما بلغ عمله فهو إلى علم الله أحوج، فيتواضع إلى علمه ويلين إلى خلقه بزيادة التقوى التي هي باب العلم ومفتاحها: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة:282) ، (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيمٌ) (يوسف:76) كما أنه يسعد بتعليم الناس ابتغاء وجه الله الذي منحه وأعطاه من علمه، ورد في سنن الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ أنه قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ.
الاسم العشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الخبير: فقد سمي الله نفسه به في كتابه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية، وقد ورد المعني في النصوص محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه، فمن القرآن قوله تعالى: (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) (الأنعام:18) ، وأغلب المواضع التي ورد فيها يرد مقترنا باسم الله الحكيم، كقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) (الأنعام:73) ويقول: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ) (سبأ:1) وورد مقترنا باسم الله اللطيف كقوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) (الأنعام:103) (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) (الملك:14) وورد مقترنا باسم الله العليم كقوله: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ) (التحريم:3) .
وفي صحيح مسلم من حديث قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ.
الخبير هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا تتحرك حركة إلا وهو يعلم مستقرها ومستودعها فهو العالم بدقائق الأشياء وحقائقها، أو الخبير العالم بالأشياء عن طريق الخبر والسماع، فالله خبير يعلم الأشياء قبل الإخبار عنها وبعد الإخبار عنها، فله جنود السماوات والأرض يخبرونه بالوقائع على سبيل تحقيق الحكمة في الخلق، فعند البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) ، وهو خبير أيضا من حيث علمه الكامل بأحوال