فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 248

أما العلة الثانية لاستحقاق الملك: فهي دوام الحياة فدوام الحياة يوجب انتقال الملكية وثبوت التملك، ومعلوم أن كل من علي الأرض زائل فان، كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال والإكرام) (الرحمن:27) (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إِليْنَا تُرْجَعُون َ) (العنكبوت:57) ، وإذا كانت الحياة وصف ذاته والإحياء وصف فعله، فإن الملك بالضرورة لمالكه: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفي عَلى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لمَنِ المُلكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ) (غافر:16) (وَلا يَحْسَبَنَّ الذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلهِ هُوَ خَيْرًا لهُمْ بَل هُوَ شَرٌّ لهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران:180) ، فالملك لله في المبتدا عند إنشاء الخلق فلم يكن أحد سواه؟ والملك لله في المنتهى عند زوال الأرض لأنه لن يبقى من الملوك سواه؟ فلا خالق إلا الله ولا مدبر للكون سواه، ومن ثم فإنه المنفرد بالملك هو الله، فالمَلك هو المتصرف بالأمر والنهي في مملكته وهو القائم بسياسة خلقه إلي غايتهم، وملكه هو الحق الدائم له بحق دوام الحياة، ولما كان الحق سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، فإنه إلزاما ينفرد بالملك والتقدير، وينفرد بأنه المالك المستحق للملك.

واسم الله المالك يدل علي ذات الله وعلى صفة الملكية المطلقة بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى وصفه بالملكية المطلقة للأشياء بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والعلم والأحدية والمشيئة والقدرة والرزق والقوة، والقبض والبسط وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لبقاء اتصافه بملكية الملك.

كيف ندعو الله باسمه المالك دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء المسألة كما ورد عند رواه الطبراني في الصغير وحسنه الشيخ الألباني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك.

أما دعاء العبادة فعمل واعتقاد يوجه المسلم في حياته على أنه عبد في ملك سيده مستخلف في أرضه أمين على ملكه، قد ابتلاه فيما أعطاه، وامتحنه فيما خوله واسترعاه، أيرد الملك إلي المالك؟ أم ينسب لنفسه أوصاف الخالق؟ يتكبر على الخلق بنعم الله، ويتعالي على العباد بما منحه وأعطاه، يفهم أن المال مال الله، وأن الحياة ابتلاء من الله فالصادق يتحرى في قوله وفعله توحيد الله في اسمه المالك، لا يتوكل إلا عليه لعمله أن الأرزاق بيديه، وأنه سبحانه وتعالي هو الخالق الرازق وأنه هو المالك.

الاسم العاشر هو اسم الله الملك، فقد ورد في القرآن والسنة على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ) (طه:114) وقوله: (فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) (المؤمنون:116) وقوله: (هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر:23) (يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) (الجمعة:1) .

وفي صحيح مسلم عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: وَجَّهْتُ وجهي للذي فَطَرَ السماوات وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ اللهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت