فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 248

تخون زوجها، ولا تصون عرضها، وهي معرة على أهلها، وكل الناس يتمني موتها، أو انظر إلي فلاح بسيط ليس له من الأرض سوي بضعة قراريط، لكن زراعته بارعة، وأشجاره طالعة، وثمارها يانعة، مناه في الحياة أن تكون أرضه واسعة لكن الحلو لا يكمل.

وقد يعطي الله الكمال والجمل لأحد من خلقه لكن يسلبه دوام الحال، سليمان أعطاه الله الملك والعزة، فكان قويا غنيا، وملكا نبيا، لديه الدنيا بأسرها، وبهجةُ الحياة بأنواعها، وسخرها لله بالطاعة والإيمان، وسعادة العيش وحسن توجيه الحق للإنسان، فانظر إلي قول سليمان وتوحيده لرب العالمين، عندما رأي عرش بلقيس منقولا من اليمن إلي فلسطين، ومستقرا بين يديه بقدرة الله: (قَال هَذَا مِنْ فَضْل رَبِّي) (النمل:40) فالفضل ليس لي ولا لجندي، وإنما هو فضل ربي، وقد استرعاني في ملكه واستخلفني (ليَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل:40) فسليمان عليه السلام أعطاه الله الكمال والجمال لكنه سلبه دوام الحال، لأننا في دار ابتلاء، والموت حكم الله في السماء، فمات عليه السلام، ولم ولن يبقي إلا الحي الذي لا يموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ) (آل عمران:185) (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالأِكْرَامِ) (الرحمن:27) (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد:3) .فالجلال في أسمائه وصفاته مبني على الكمال والجمال وليس ذلك إلا لرب العزة والجلال، هو الملك له في ملكه الكمال والجمال، ملكه دائم وهو في ملكه عليم قدير يفعل ما يشاء له مطلق الخلق والتدبير وهذا هو الكمال، أما الجمال في الملك فقيامه على الحق، لا يظلم فيه أحدا ولا يشرك في حكمه أحدا، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه يقبل التوبة عن عباده وهو قادر على إهلاكهم (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم:42) ، لكن ملوك الدنيا إن استتب لهم كمال الملك وأحكموا قبضتهم على الخلق، ضيعوا الجمال في الملك بظلم الخلق وضياع الحق، وإن جمعوا بين الكمال والجمال سلبهم دوام الحال، فما يلبث أن يموت الخليفة العادل أو يغتال أو يقتل. فالجلال لله وهو مبني على الكمال والجمال، وقد يكون الكمال أو الجمال ناقصا، لكن هو في عين المحب كامل جميل، فلا يري المحب أحدا أحسن من محبوبه على الرغم من نقصه وعيوبه، كما يحكي أن عزة التي أحبها كثير، وتغني بحبها حتى بلغ الآفاق دخلت على الحجاج فقال لها: يا عزة والله ما أنت كما قال فيك كثير، فقالت: أيها الأمير إنه لم يرن بالعين التي رأيتني بها، فالمحب يري قبح المحبوب في عينه جمال، ألا تري أنه في المثل يقال، القرد في عين أمه غزال.

وقد يكون الجمال في منتهاه والكمال في أعلاه، ولكن المحب لا يشعر بجمال محبوبه ولا بكماله فتنعدم المحبة، ولهذا أمرت النساء بستر وجوههن عن الرجال، فإن ظهور الوجه وخصوصا وجوه الحسان، يدعو القلوب إلي النظر والافتتان، ولهذا أيضا أجاز الشرع للخاطب أن ينظر إلي المخطوبة، فإنه إذا شاهد حسنها وجمالها، ورأي الكمال في سلوكها، كان ذلك أدعي إلي حبها وباعثا للرغبة في التعلق بها، روي ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني من حديث المُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه أنه قَال: (أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ لهُ امْرَأَةً أَخْطُبُهَا فَقال: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِليْهَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا، قَال: فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَخَطَبْتُهَا إِلي أَبَوَيْهَا وَأَخْبَرْتُهُمَا بِقَوْل رسول الله صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت