فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 248

كَانُوا على أَفْجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلكَ مِنْ مُلكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُل إِنْسَانٍ مَسْأَلتَهُ مَا نَقَصَ ذَلكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِل البَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَليَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَه).

فالله عز وجل بذكره تطمئن القلوب وتتلاشى الذنوب: (الذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ) (الرعد:28) ودعك ممن جعل الذكر ترك الذكر بحجة عدم النسان، كما قال الزنديق الذي ينطق بلسان الشيطان، محي الدين ابن عربي داعي الكفر بحجة الإيمان: دع الذكر والتسبيح إن كنت عاشقا: فليس يديم الذكر إلا المنافق - إذا كان من تهواه في القلب حاضرا: وأنت تديم الذكر كنت منافقا - ويقول أيضا: ألا بذكر اللَّه تزداد الذنوب: وتنعكس البصائر والقلوب - وترك الذكر أفضل كل شيء: فشمس الذات ليس لها غروب.

فلا عبرة بهذه البدعة الكفرية تحت حسن النية والتي يراها بعض المعاصرين قمة إيمانية، هذه البدعة يدعو فيها ابن عربي إلى ترك الذكر بحجة انعدام النسيان ومتي كان عدم النسيان سببا في هلاك الشيطان؟ إنما الهلاك في عدم امتثاله لأمر ربه، واستكبار وحسده وحقده.

فالله عز وجل فطر القلوب على ذكره وحبه، فطرهم على عبادته لجلاله وكماله، وجماله في أسمائه وصفاته وأفعاله، أسماء الله كلها حسني وكلها عظمي، (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام) (الرحمن:78) أجمع القراء ها هنا على الياء، تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي وكذلك في مصاحف أهل الحجاز والعراق، وتفرد ابن عامر بالواو تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِو لأنه جعل ذو وصفا للاسم، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، قال شيخ الإسلام في دقائق التفسير (وهو في مصحف أهل الشام تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام، وهي قراءة ابن عامر فالاسم نفسه موصوف بالجلال والإكرام وفي سائر المصاحف وفي قراءة الجمهور ذي الجلال فيكون المسمى نفسه موصوفا بالجلال والإكرام) .

(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام) والجلال منتهي الحسن والعظمة في الذات والأسماء والصفات، وهو يقوم على ركنين اثنين: الركن الأول هو الكمال، والركن الثاني هو الجمال، فالكمال هو بلوغ الوصف أعلاه، والجمال بلوغ الحسن منتهاه، فانظر إلى حكمة الله وانفراده عمن سواه، فإن الله إن أعطي الكمال لأحد سواه سلبه الجمال، وإن أعطي الجمال لأحد سواه سلبه الكمال، وإن أعطي الكمال والجمال لأحد سواه سلبه دوام الحال، انظر إلي حكمة الله فيمن أعطاهم الكمال وسلبهم الجمال، غني بلغ الكمال في الغني ولكنه مريض بالسكر أو قبيح في المنظر أو جاهل أكبر، أو عقيم يشتهي الولد ويتمناه، فهو لا يسعد بماله ولا غناه، ولا ينعم بلذة الحياة إلا إذا أدرك الحكمة وحسن تقدير الله، وأن القدر والابتلاء سر الله في هذه الحياة، فسلم لله وآمن بقدر الله، أو انظر إلي امرأة لها كمال في الخلق والنسب، ولها منزلة في الشرفِ والحسب، وهي أبعد ما يكون عن الخيانة، ومتصفة بالصدق والأمانة، ولكنها في الجمال قبيحة لا تسر الناظرين، دميمة ترعب الخاطبين، أو انظر إلي من أعطاه الله أرضا كبيرة واسعة، لكنه يفشل في استصلاحها لأي منفعة.

وعلى العكس من ذلك انظر إلي من أعطاهم الجمال وسلبهم الكمال، رجل عالم ذكي قوي فتي، لكنه فقير مهان يبيت جوعان ولا يجد ثوبا يستر الإنسان، أو انظر إلي امرأة جمالها يتغنى به الشبان، وقوامها لا تراه العينان، لكنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت