الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة أو نحو ذلك، فمعنى الحديث إذا أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، ونظير هذا أن تقول: عندي مئة درهم أعددتها للصدقة فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة.
وقال النووي في شرح مسلم (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء) .
أما معنى إحصاء الأسماء أو المراد بقوله من أحصاها فقد اختلف الأئمة فيه على أقوال منها أن المراد بالإحصاء هو حفظها وعدها كقوله تعالى (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) (الجن:28) (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المجادلة:6) وهذا القول عليه أغلب العلماء، وقال ابن حجر: ظاهر كلام البخاري والأكثرين حصول الجزاء المذكور في الخبر بمجرد حفظها، وفضل الله أوسع من ذلك، وقيل المراد بالإحصاء الإطاقة كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل:20) والمعنى: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء، والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها، فيلزم نفسه بواجباتها، فإذا قال: الرزاق، وثق بالرزق، وكذا سائر الأسماء، وقيل المراد بالإحصاء الإحاطة بمعانيها، من قول العرب: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل أو معرفة، وقال ابن عطية في تفسيره: معنى أحصاها: عدها وحفظها، ويتضمن ذلك الإيمان بها، والتعظيم لها، والرغبة فيها، والاعتبار بمعانيها.
وقد ذكر ابن القيم أن الإحصاء على ثلاث مراتب هي: أولها احصاء ألفاظها وعددها، وثانيها فهم معانيها ومدلولها دعاؤه، وثالثها التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن تدعو الله بها دعاء مسألة لقوله تعالى (فادعوه بها) بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبا لحالك، كأن تقول في حال ذنبك يا غفور اغفر لي ويا رحيم ارحمني وفي حال فقرك يا رزاق ارزقني ويا غني اغننى بفضلك عمن سواك، وفي حال ضعفك يا قوى قوني وفي حال جهلك تقول يا عليم علمني إلى غير ذلك مما يتطلب فقها في الدعاء، والوجه الثاني: أن تدعوه دعاء عبادة وهو أن تتعبد الله تعالى بمقتضى هذه الأسماء، فتظهر بمظهر الفقر لعلمك أن الغني هو الله، وتظهر بمظهر الضعف لعلمك أن القوى هو الله، وتظهر بمظهر الافتقار والتواضع لعلمك أن العظيم العزيز هو الله، هذا هو معنى أحصاها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون إحصاؤها ثمنا لدخول الجنة.
واعلموا أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تعيين الأسماء الحسني، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: (فتعيينها ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه) ولما لم يصح تعيينها عن النبي صلى الله عليه وسلم اختلف السلف فيه، فمن حاول تصحيح هذا الحديث: قال إن هذا أمر عظيم لأنها توصل إلى الجنة فلا يفوت على الصحابة أن يسألوه صلى الله عليه وسلم عن تعيينها، فدل هذا على أنها قد عينت من قبله صلى الله عليه وسلم.