المانع، والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق، فقال أبو الحسن الأشعري: فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيما لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: فنحكم بالقوافي من هجانا: ونضربُ حين تختلط الدماء، وقول الآخر: أبني حنفية حكموا سفهاءكم، إني أخاف عليكمو أن أغضبا، أي نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم.
فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق حكيم على الله سبحانه وتعالى، قال: فلم يجب الجبائي إلا أنه قال لي: فلم منعت أنت أن يسمى الله سبحانه عاقلا وأجزت أن يسمى حكيما؟ قال: فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه ومنعت عاقلا لأن الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته.
قال ابن حزم: (ولا يجوز أن يسمى الله تعالى ولا أن يخبر عنه إلا بما سمى به نفسه أو أخبر به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو صح به إجماع جميع أهل الإسلام المتيقن ولا مزيد، وحتى وإن كان المعنى صحيحا فلا يجوز أن يطلق عليه تعالى اللفظ، وقد علمنا يقينا أن الله عز وجل بنى السماء قال تعالى:(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذريات:47) ولا يجوز أن يسمى بناء وأنه تعالى خلق أصباغ النبات والحيوان وأنه تعالى قال: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البقرة:138) ولا يجوز أن يسمى صباغا وهكذا كل شيء لم يسم به نفسه).
وقد ذكر ه ابن القيم في ملخص ذلك أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه من الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيا كالشيء الموجود والقائم بنفسه، فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه بعض ما لم يرد به السمع.
وينبغي أن يعلم أيضا أن أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين، لأنه ثبت من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْن ٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هذِهِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهنَّ) وهو حديث صحيح رواه أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك.
والشاهد قوله أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن أحدا حصره ولا الإحاطة به، وهذا هو الحق وهو مذهب الجمهور بل حكى النووي الاتفاق عليه، قال الخطابي عند ذكره لهذا الحديث: (فهذا يدلك على أن لله أسماء لم ينزلها في كتابه حجبها عن خلقه ولم يظهرها لهم، وقال الإمام ابن القيم في شفاء العليل:(الحديث دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره) .
وأما الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ للهِ تِسعةً وتِسْعينَ اسمًا، مائةً إلا واحدة، مَن أحصاها دَخَلَ الجنَّة) فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد