فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 248

وخرج الحجاج متصيدا لأحوال الرعية، فوقف على أعرابي يرعى إبلا له فقال له: يا أعرابي كيف رأيت سيرة أميركم الحجاج؟ قال له الأعرابي: غشوم ظلوم لا حياة الله؟ فقال: فلم لا تشكوه إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟ قال: عبد الملك بن مروان فأظلم وأغشم، فأحاط به الجند واعتقلوه وأخبروه أن الذي كان معه هو الحجاج، فقال الأعرابي: يا حجاج السر الذي بيني وبينك أحب أن يكون سرا مكتوما، فضحك الحجاج وأمر بتخلية سبيله.

فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على ما وضع له، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على بعض ما وضع له، ودلالة اللزوم هي دلالة الشيء على سببه، فالسيارة الكلمة تدل على جميع أجزائها بدلالة المطابقة ويدل على العجلات فقط بالتضمن ويدل على البطارية وحدها بالتضمن ويدل على الذي صنعها بالالتزام، فالعاقل يعلم أن لها صانعا، ولفظ الدار أو البيت يدل على كل الدار بالمطابقة، ودلالتها على الحمام وحده بالتضمن، وعلى المجلس وحده بالتضمن، وهكذا، و دلالته على أن هناك شخصا بناه باللزوم.

وهنا نأتي إلى تلخيص القول في دلالة الأسماء على الصفات، دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وباللزوم، الاسم يدل على الذات والصفة بدلالة المطابقة، ويدل على ذات الله وحدها بالتضمن وعلى الصفة وحدها بالتضمن وعلى أوصاف أخرى بدلالة اللزوم.

أما عند المعتزلة فالأسماء تدل على الذات بالمطابقة ولا تدل على أي صفة عندهم لأنهم لا يثبتون الصفات، ومن هنا لا بد أن ننبه على ما ذكره الشيخ حافظ حكمى رحمه الله في معارج القبول حيث قال ما نصه: (واعلم أن دلالة أسماء الله تعالى حق على حقيقتها مطابقة وتضمنا والتزاما، فدلالة اسمه تعالي الرحمن على ذاته عز وجل مطابقة وعلى صفة الرحمة تضمنا وعلى الحياة وغيرها التزاما وهكذا سائر أسمائه تبارك وتعالى) .

فالرحمن يدل على الذات وعلى صفة الرحمن بالمطابقة ويدل على الذات وحدها بالتضمن وعلى صفة الرحمة وحدها بالتضمن، ويدل على الحياة والعلم والقدرة التزاما لأنه لا توجد رحمة بدون حياة الراحم وعلمه وقدرته، وهذا يطبق على جميع الأسماء الحسني، السميع البصير العليم الحكيم العزيز العظيم، جميع هذه الأسماء تدل على الذات وحدها بالتضمن وعلى الصفة وحدها بالتضمن، وتدل على صفة الحياة باللزوم، فالحي اسم من أسماء الله يدل على ذاته وعلى صفة الحياة معا، ومن أجل حياته كملت بقية أسمائه وصفاته، فلا يمكن لأحد أن يكون قديرا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون قويا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون عليا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون غنيا إلا إذا كان حيا، فجميع أسماء الله تدل على صفة الحياة التي تضمنها اسمه الحي، وقد تحدثا عن ذلك تفصيلا.

يقول ابن القيم في النونية:

ودلالة الأسماء أنواع ثلاث كلها معلومة ببيان - دلت مطابقة كذاك تضمنا وكذا التزاما واضح البرهان

أما مطابقة الدلالة فهي أن الاسم يفهم منه مفهومان - ذات الإله وذلك الوصف الذي يشتق منه الاسم بالميزان

لكن دلالته على إحداهما بتضمن فافهمه فهم بيان - وكذا دلالته على الصفة التي ما اشتق منها فالتزام دان

وإذا أردت لذا مثالا بينا فمثال ذلك لفظة الرحمن - ذات الإله ورحمة مدلولها فهما لهذا اللفظ مدلولان

إحداهما بعض لِذا الموضوعِ فهي تضمن ذا واضح التبيان - لكن وصف الحي لازم ذلك المعنى لزوم العلم للرحمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت