رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (لقمان:10) فلفظ السقف دلنا على الأعمدة باللزوم مع ملاحظة أن الأعمدة ليست مما دل عليه لفظ السقف بالمطابقة أو بالتضمن، فدلالة اللزوم هي دلالة الشيء على سببه، أما دلالة الشيء على نتيجته فتسمي دلالة التزام، كدلال الغيوم على اقتراب المطر، وكدلالة الفعل على رد الفعل، فلكل فعل رد فعل بالالتزام، وكل رد فعل ناشئ عن فعل باللزوم.
وكما أن الأسماء الحسني تدل على الصفات بالتضمن، فإنها أيضا تدل على الصفات باللزوم كدلالة اسم الله الخالق على صفة العلم والقدرة فاسم الله الخالق يدل على ذات الله وصفة الخالق بالمطابقة، ولكن العلم والقدرة من لوازم صفة الخلق، فالعاجز والجاهل لا يخلق ولذلك لما ذكر الله خلق السماوات والأرض عقب بذكر ما دل عليه الخلق باللزوم فذكر القدرة والعلم، قال سبحانه وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق:12) .
وأغلب البلاء الذي يلحق بالناس سببه الغفلة عن لازم الأقوال والأفعال، ولذلك ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرةَ أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ العبدَ ليَتكلمُ بالكلمةِ ما يَتبَينُ فيها، يَزلُّ بها في النار أبعدَ مما بينَ المشرق) وعند البخاري في رواية أخري: (إنَّ العبدَ ليتكلمُ بالكلمة من رِضوانِ اللهِ لا يُلقي لها بالًا يرفَعُه اللهُ بها درجات، وإن العبدَ ليتكلمَ بالكلمة من سَخَط اللّه لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم) .
وأخذ الحجاج أعرابيا لصا بالمدينة فأمر بضربه فلما قرعه بسوط قال يا رب شكرا حتى ضربه سبعمائة سوط فلقيه أشعب فقال له تدرى لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط قال لا لماذا قال لكثرة شكرك: إن الله تعالى يقول: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم:7) قال: وهذا في القرآن قال: نعم، فقال الأعرابي: يا رب لا شكرا فلا تزدن، أسأت في شكري فاعف عنى، باعد ثواب الشاكرين منى، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7) .
وخرج أعرابي إلى الحج مع أصحاب له فلما كان في طريق العودة إلى أهله لقيه ابن عم له أو بعض أقربائه فسأله عن أهله ومنزله، فقال: لما خرجت إلى الحج بعد ثلاثة أيام وقع في بيتك حريق أهلك أهلك ومنزلك، فرفع الأعرابي يديه إلى السماء وقال: ما أحسن هذا يا رب تأمرنا بعمارة بيتك أنت وتخرب بيوتنا.
وخرجت أعرابية إلى الحج فلما كانت في بعض الطريق عطبت راحلتها، فرفعت يديها إلى السماء وقالت: يا رب أخرجتني من بيتي إلى بيتك فلا بيتي ولا بيتك.
وسمع أعرابي إماما يقرأ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، قرأها بفتح التاء، فقال: ولا إن آمنوا أيضا لم ننكحهم فقيل له: إنه يلحن وليس هكذا يقرأ؟ فقال أخروه قبحه الله لا تجعلوه إماما فإنه يحل ما حرم الله، (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا َ) (البقرة:221) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (29/ 42) : (لازم قول الإنسان نوعان: أحدهما: لازم قوله الحق فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه فإن لازم الحق حق، والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق فهذا لا يجب التزامه إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين) .