سعيد اسم على مسمي، وذاته متصفة بصفة السعادة، وإن كانت الثانية قلنا: سعيد اسم فارغ من المسمي وذات بلا صفة لأنه شقي.
فأسماء اللَّه عند السلف أسماء على مسمي، فهو الغني الذي يتصف بالغني لا الفقر، وهو القوي الذي يتصف بصفة القوة لا الضعف، وهو السميع يتصف بصفة السمع تعالي اللَّه عن ضدها، وهكذا في سائر الأسماء والصفات، ولهذا كانت أسماؤه حسني وعظمي، ولا تكون حسني وعظمي بغير ذلك، وهذا المذهب الاعتزالي الخبيث يترتب عليه أن قوله تعالي: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَي فَادْعُوهُ بِهَا) ، لا قيمة له عندهم، وكذلك تعداد الأسماء الحسني في قوله صلي الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنّةَ) ، لأن تعداد الأسماء الحسني أو الدعاء بها مبني على إثبات الصفات.
وأي نقص في حق اللَّه أعظم من أن يكون اللَّه عز وجل لا صفة له عند المعتزلة، تعالي اللَّه عن قولهم علوا كبيرا، إن الواحد منا لا يقبل هذا على نفسه، فلو قال لك قائل: أنت لا صفة لك عندي، لا بد أن تغضب لأن الفطرة مجبولة على إثبات الأوصاف الحميدة، فمن العجب أنهم يثبتون لأنفسهم أجود الأوصاف، وينفون عن الله الذي ليس كمثله شيء سائر أوصاف.
والله عز وجل لما علم آدم الأسماء فقال: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) علمه الأسماء كألفاظ تدل بالمطابقة على تمييز الأشياء والعلم بخصائصها، والتعرف على حقائقها، ذاتا وصفة، تضمنا والتزاما، وليس الذي تعلمه آدم كما يفهم البعض هو مجرد ألفاظ أو كلمات يستعملها أبناؤه، بل إن آدم تعلم الشيء واسمه وخاصيته وأنواع دلالته مطابقة وتضمنا والتزاما، فالذي عرضه الله سبحانه على الملائكة أعيان الأشياء بذواتها وصفاتها وليست معاني أو كلمات لا مدلول لها ولا حقيقة، إنما علم الله آدم الشيء المادي المحسوس الذي يحمل الاسم المعين، وكذلك تأثير كل شيء في غيره، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة:32) . فقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) يعني أن آدم تعلم في ذهنه ووعي في قلبه كل ما يمكن أن يتعامل معه مما أستخدمه أو سيستخدمه الإنسان على الأرض، وكل ما تضمنته نواميس العلوم من مصطلحات وتعريفات وكل ما سيحدث من اختراعات واكتشافات إلى يوم الدين، والعلم المادي ليس سوي مجموعة من المصطلحات التي تدل بأنواع الدلالات على معرفة خصائص العناصر والأشياء وتأثير بعضها في بعض ومعرفة الأسباب وما تنتجه من مسببات أو معرفة العلل وما تنتجه من معلولات.
فقوله: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) يعني علمه معرفة الأسماء وحدود الأشياء والعلم بخصائصها، والإنسان منا يكتسب هذا العلم تلقائيا في حياته إلى يوم وفاته، ولذلك فإن الله من عدله وحكمته ومن فضله ورحمته أنه لا يكلف إنسانا في طفولته، لأنه لم يصل إلى معرفة الأسماء بلدلالاتها، كما ورد عند الترمذي وصححه الشيخ الألباني أن النبي صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ قال: (رُفِعَ القَلمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حتى يَشِبَّ وَعَنِ المَعْتُوهِ حتى يَعْقِل، وفي رواية رُفِعَ القَلمُ عَنْ الغُلامِ حتى يَحْتَلمَ) ، فالطفل يتعلم ذلك شيئا فشيئا، فيقال له: هذه هرة وهذه جرة وهذه