فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على ما وضع له، كلفظ المسجد فإنه يدل على شيء معين جعل للصلاة والجماعة والجمع، فلوا أراد إنسان أن يذهب إلى المسجد، فإنه لا يذهب إلى السوق لعلمه أن المسجد لفظ يدل على مكان للعبادة، وأن لفظ السوق يدل على مكان وضع للبيع والشراء، ومثال ذلك أيضا لو قال المشتري للبائع: أعطني تفاحا، فإن البائع يعطيه شيئا معينا يطلق عليه لفظ التفاح بين الناس.
وليس إذا قال له أعطني تفاحا أعطاه برتقالا، لأن الله فطر العقلاء على أن يتعلموا الأسماء وما تنطبق عليه من مدلولات في واقعهم، فالمشتري والبائع يعلمان أن لفظ التفاح يدل على شيء معين غير الذي يدل عليه لفظ البرتقال، لكن لو قلت للبائع أعطني خيارا فأعطاك برتقالا، فذلك إما لأنه لم يسمع أو لأنه لم يعقل.
وإذا قيل: محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم، فإن الذهن يعلم أن ذلك ينطبق على خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله بالقرآن الكريم، وينصرف إليه ولا ينصرف الذهن إلى عيسي أو موسي أو غيرهم من الأنبياء عليهم السلام، لأن كل لفظ أو اسم ينطبق على شيء معين دون غيره.
وإذا قيل: الخالق هو الله، فإن الذهن يفهم من دلالة الاسم أنه ينطبق على ذات الله تعالى المتصفة بصفة الخلق ولا ينصرف إلى ذات أخر إلا عند من فسد إدراكهم وخالفوا الفطرة وقالوا إن الطبيعة هي الخالقة، كمثل ماركس ولينين وغيرهما من الشيوعيين والدهريين.
والذهن لا ينصرف أيضا عند النطق بلفظ الخالق إلى صفة أخري غير صفة الخلق، فلا ينصرف إلى صفة الرزق أو القوة أو العزة أو الحكمة أو غير ذلك من الصفات، لأن صفة الخلق تدل على شيء غير الذي تدل عليه صفة الرزق وصفة القوة يفهم منها شيء غير الذي يفهم العزة أو الحكمة إلا عند المعتزلة حيث فسد إدراكهم في فهم دلالة اللفظ على معناه، فقالوا بأن أسماء الله الحسني التي تعرف الله بها إلى العباد في الكتاب والسنة لا تدل بالمطابقة إلا على ذات الله فقط ولا تدل على شيء من الصفات أبدا، فعندهم اسم الله السميع يدل على ذات الله فقط ولا معنى لاسمه السميع، فمعني السميع هو معني الرزاق، وهو معني الحي إلى غير ذلك من أسمائه الحسني التي أمر عباده بأن يدعوه بها ذاتا وصفة كما قال سبحانه: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) (الإسراء:110) كلها تدل على مسمى واحد، وهي أيضا أوصاف لقوله تعالى: (وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف:180) فالله عز وجل من أسمائه الحسنى الغفور الرحيم، والغفور علم علي ذاته، وكذلك الرحيم كما جاء في قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107) وقوله (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يوسف:98) (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ) فكل هذه الآيات تدل على اسمه الغفور الرحيم، وقد تحدثنا عن ذلك في محاضرة سابقة بينا فيها أن أسماء الله أعلام وأوصاف.
لكن معني قولهم بإثبات الأسماء ونفي الصفات أنهم آمنوا بوجود ذات الله فقط بلا أي صفة لها، وجعلوا أسماء اللَّه الدالة عليه أسماء فارغة من الأوصاف بلا مسمي، فقالوا: هو العليم لكن لا يتصف بصفة العلم، ولتبسيط فكرتهم نقول: فلان اسمه سعيد، لكن لو بحثت عن صفة السعادة فيه، فربما يكون سعيدا أو شقيا، فإن كانت الأولي قلنا: