فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 248

مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا) (الكهف:51) (وَقُلِ الحَمْدُ لِلهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) (الإسراء:111) سبحانه لا شريك له في ملكه، ولا ظهير له في تدبير شئون خلقه، ليست له عثرة تقال، ولا حد يضرب له مثال، مازال بأسمائه وصفاته له الجلال والكمال والجمال، وكما قال الإمام الطحاوى: (ما زال بصفاته قديما قبل خلقه) فهو سبحانه وتعالى أول ليس قبله شيء، متصف بصفات الكمال قبل خلقه لكل شيء، فأسماؤه وصفاته أزلية أبدية، فكما أنه في ذاته أول بلا ابتداء فكذلك أسماؤه وصفاته تابعة لذاته، فهي أولية بأولية الله سبحانه وتعالى، فلم يكن أولا بلا أسماء ولا صفات ثم سماه الناس وحدثت له الصفات، تعالى الله عما يقوله أهل الضلال من أصحاب الاعتزال، الذين يقولون: لم تكن له صفات في الأزل قبل خلق الخلق ثم اكتسب الصفات بعد وجود من وصفه وسماه، فسبحان الله وتعالى عن قول الجاهلين! فقولهم هذا يلزم منه أن يكون الله ناقصا في فترة، ثم اكتسب أسماء وأوصافا وكمالا لم يكن من قبل، تعالى عما يقولون، فالله عز وجل هو الغني عن سواه، وجميع خلقه هم الفقراء إلى الله، ولذلك قال الإمام الطحاوى: (لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته) أي وجود المخلوقات لم يزده كمالا كان مفقودا أو يزيل نقصا كان موجودا، فلا نقول كما قال الجاهلون لم يكن الله خالقا إلا بعد أن خلق الخلق، ولم يكن رازقا إلا بعد ظهور الملك، فهذا شأن المخلوق وليس شأن ملك الملوك، المخلوق نقول عنه عالما بعد اكتساب العلم وزوال الجهل، وخبيرا بعد اكتساب الخبرة ومزاولة المهنة، ونقول عنه ملكا بعد اكتساب الملك وظهور العزة، ونقول عنه حكيما بعد ظهور الحكمة، وطيبا رحيما بعد ظهور الرحمة، أما ربنا تبارك وتعالى فله الكمال في أزليته وأبديته، قال الإمام الطحاوى:

(وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري) من أسماء الله عز وجل الباري، يعني الخالق، برى الخلق يعني خلقهم فهو الباري، وهذا الاسم ملازم لذاته ليست له بداية ولا نهاية، وهنا يظهر لنا الكمال، فلو ضربنا لكم مثال، بقياس الأولي، نقول: الرجل إذا كان في قريته ذليلا فقيرا ضعيفا، واكتسب أوصاف الكمال فأصبح عزيزا غنيا قويا، فإن الناس لا ينسون أوصاف نقصه، حتى لو بلغ به الكمال فيه مبلغه، يتذكرون حال فقره ويذكرونه بضعفه، يقولون: أنت فلان الذي كنت مهينا ذليلا، فقيرا ضعيفا، كل ذلك لأنه اكتسب كمالا لم يكن من قبل، لكنه لو انتقل وهو في حال الكمال إلى بلد آخر لا يعرفه الناس فيه فرأوه من بدايته عزيزا غنيا، منيعا قويا، فإنهم لا يذكرونه على الدوام إلا بالكمال، ولا يعرفون وصفه إلا مقترنا بالعزة في كل حال، فيصفونه بالعزة والغنى والقوة، ومن هنا قيل: كان كراعا فصار ذراعا، والكراع هو القزم الصغير وهذا يضرب مثلا للرجل الذليل يصير عزيزا كبيرا، دخل أبو العباس السراج على أبي عمرو الخفاف فقال له يا أبا العباس من أين جمعت هذا المال فقال يا أبا عمرو بغيبة عن نيسابور مائة وعشرين سنة قال وكيف ذاك قال غاب أخي إبراهيم أربعين سنة وغاب أخي إسماعيل أربعين سنة وغبت أنا مقيما ببغداد أربعين سنة أكلنا العشب ولبسنا الخشن حتى جمعنا هذا المال، ولكن أنت يا أبا عمرو من أين جمعت هذا المال: أتذكر إذ لحافك جلد شاة وإذ نعلاك من جلد البعير، فسبحان الذي أعطاك ملكا وعلمك الجلوس على السرير، ويقال أيضا أن ذلك حدث بين أعرابيين صديقين يعشيان فقيرين بالبادية غير أن أحدهما ويقال له زيد ذهب إلى المدينة وتقرب من الحجاج بن يوسف الثقفي حتى أمره على أصبهان، فسمع عنه صديق فقره الذي بالبادية، فشد إليه الرحال حتى وصل إلى قصره وحاول لقاءه فمنعه الحراس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت