فالعلم بمخلوقات الله يبعث الخشية في القلوب، فما بالك إذا كان العلم بعلام الغيوب، فالعلم بأسماء الله وصفاته وفقه معناها والعمل بمقتضاها وسؤال الله من خلالها من أشرف العلوم، علم يحدث في القلب تعظيما لله وحبا وخوفا منه وقربا، وتوكلا وصدقا، فتسكن النفس بقربه وعبوديته، ويطمئن القلب بيقينه في عقيدته، فيذكره المؤمن خوفا وطمعا، خوفا من الذنب إقرارا لعظمته، وطمعا في القرب إدراكا لفضله ورحمته.
وينبغي أن نعلم أن ذكر الله ومدحه بأسمائه الحسنى يعود النفع فيه على الذاكر دون المذكور، بخلاف ذكر الإنسان ومدح الإنسان للإنسان، فإن النفع فيه يعود على الذاكر والمذكور، فإن الذكر بين الإنسان والإنسان يكون إما لرفع خسيسة أو دفع نقيصة، وإما لإثبات وصف وذكر حقيقة، وإما لمبالغة كاذبة وأغراض خبيثة، فترى الشخص ينفي النقص عن الآخر حتى تخلوا ساحته من النقائص والعيوب، وربما هو في الحقيقة مذنب مجرم معيوب، أو صادق مظلوم وحقه مسلوب، فذكر الآخرين له بالكمال في هذا الحال أمر مطلوب، يدفع من أجله ما يسترد به حقه المسلوب، أو يدفع عن نفسه بالباطل مختلف التهم والعيوب.
وبسبب ذلك كانت الشفاعة بين الناس مختلفة عن الشفاعة عند رب الناس إله الناس، فالشفاعة عند الله من دلائل توحيده، وكمال أسمائه وصفاته، ومن الخطأ الكبير، ومن الظلم العظيم أن يسوى بعض الجاهلين بين الشفاعة عند الله وما يتعلق بأحكامها، وبين الشفاعة التي تحدث بين الرعية وحكامها، فالشفاعة عند المخلوق ليست كالشفاعة عند الله، فالمخلوق أحيانا يقبل الشفاعة إلزاما واضطرارا، إما لوجود مصلحة تسعى إليها قرابته، أو إلزاما من حزبه لتبقى عليه سيادته، أو لفضل من المملوك على الملك، أو قدرة المملوك علي تنحية الملك، وعزله عن ملكه وسلطانه، أو التحكم في نقاط ضعفه بفضحه وإذاعة أسراره، وكشف ما هو مستور من مخازيه وسوء أحواله، فيضطر الحاكم أو الأمير أو الملك إلى قبول الشفاعة من المحكوم، والتغاضي عن العدل وإنصاف المظلوم، كل ذلك بغير إذنهم مجبرين على الشفاعة مكرهين، وهذه هي الفوضى والمحسوبية التي علل بها أصحاب الفرق الإسلامية نفيهم للشفاعة العظمي عن خير البرية صلى الله عليه وسلم، قالوا الشفاعة محسوبية وهذا لا يكون في الآخرة، فمن جهلهم أنهم قاسوا الشفاعة عند الخالق على الشفاعة عند المخلوق، وهذا جهل منهم بتوحيد الله، فالله إذا أخبرنا عن نفسه أنه سيقبل الشفاعة في الموحدين من المسلمين لو اقترفوا بعض أنواع العصيان علمنا أنها لا تماثل شفاعة الإنسان للإنسان، ولذا قال الله في أعظم آية في القرآن: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ) البقرة/255، فالله عز وجل لن يقبل الشفاعة من أحد ولا في أحد، إلا إذا جاء إلى الله عبدا موحدا، مشابها في سلوكه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون العبد خالصا من شوائب التشبيه والشرك، مقرا لله بالخلق والأمر والملك، وهذا شرط الشفاعة الذي حدده سيد الخلق، فقد ثبت عند البخاري من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ) .
فالتوحيد والإذن شرط الشفاعة عند الله، (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ) (البقرة: من الآية255) (وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (سبأ:23) (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (لنجم:26) ، من هو صاحب الفضل عليه؟ من الذي ساعده في إنشاء الخلق؟ أو عاونه في تدبير الملك؟ (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ