فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 248

يقول في شأن الموحدين (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) (الحديد:27) .

الاسم التاسع والخمسون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله الغفور، فقد سمي الله نفسه به علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في كثير من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، في قوله تعالي: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الحجر49) (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس107) (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقد ذكر اسم الله الغفور في أحد عشر موضعا معرفا بالألف واللام، وفي اثنين وسبعين موضعا بعلامة التنوين، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم ٌ) (البقرة:199) (وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورا رَحِيما) (النساء:106) ، وذكر الوصف الذي دل عليه الاسم في قوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) (الرعد:6) فقوله ذو مغفرة ورد في موضعين الموضع السابق وقوله: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (فصلت:43) وفي بيان أن الوصف هو وصف فعل يتعلق بمشيئته ورد بلفظ يغفر في ثمانية عشر موضعا: (وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُورا رَحِيما) (الفتح:14) .

وعند البخاري من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أن أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ لِلنَّبِي صلي الله عليه وسلم عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي قَالَ: (قُلِ اللهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، وروى أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ رضي الله عنه أنه قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَي صَلاَتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ فَقَالَ قَدْ غُفِرَ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ثَلاَثًا، وروى أبو داود أيضا وصححه الشيخ الألباني من حديث وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ صَلي بِنَا رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّ فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَمْدِ اللهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

والغفور في اللغة على وزن فعول وهي من صيغ المبالغة التي تدل على الكثرة في الفعل، وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر، وغَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها، وعند البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللهَ يُدْنِى الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) .

واسم الله الغفور في أغلب المواضع التي ورد فيها يحمل دعوة للاستغفار العام والخاص، الاستغفار العام هو الاستغفار من صغائر الذنوب، وما يدور من الخواطر في القلوب، فالقلب فيه منطقة حديث النفس، ومنطقة الكسب، فمن المنطقة الأولى تخرج الخواطر التي تتطلب الاستغفار العام، كما قال تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت