فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 248

إليه، في قوله تعالي: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود90) (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج14) ، ولم يرد الاسم في السنة إلا في حديث سرد الأسماء وهو ضعيف كما علمنا.

الودود، فعله ود يود ودا ومودة، والودُّ في اللغة مصدر من المودَّة، ويأتي بمعنى الحُبُّ، فمودة الشيء محبته والأخذ بأسبابه وتمني حصوله، والمودة من أبواب المحبة التي تتضمن التمني مع اتخاذ الأسباب الموصلة إلى المحبوب، كما ورد في قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21) وقوله: (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة:7) ، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه أنه قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَي النَّبِي صلي الله عليه وسلم فَقَالَ: (إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لاَ تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا قَالَ لاَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ) (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ولا تكونوا كرهبانية النصارى) .

فالله عز وجل هو الودود الذي يَوَدُّ عبَادَهُ الصالحين فيحبهم ويقربهم ويرضى عنهم ويتقبَّلُ أعمالَهم، وهذه محبة خاصة بالمؤمنين، أما المحبة العامة فالله هو الودود ذو إحسان كبير لمخلوقاته من جهة إنعامه عليهم وإكرامه للإنسان واستخلافه بينهم، حيث أسجد له ملائكته واستخلفه في أرضه على سبيل الابتلاء، واستأمنه في ملكه انتظار لمزيد من الإكرام في دار الجزاء، وبعث إليهم الرسل وأنزل عليهم الوحي من السماء، كل ذلك بفضله وكرمه وعطائه ومدده، وترغيبا لعباده في طاعة الله ومحبته ومودة نبيه وآله وصحابته، وكذلك محبة أوليائه وخاصته، فيعاملهم بمودة، ويتمنى الخير والمحبة، فيفرح لفرحمهم ويغضب لغضبهم كما قال تعالى في وصفهم ووصف نبيهم صلى الله عليه وسلم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعا سُجَّدا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح:29) ، فمعنى أن الله عز وجل ودود يعني حبيب قريب سميع مجيب. والود أيضا يأتي بمعنى التمني أو الرغبة في تحقيق الأمنية، كما ورد في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96) يتمنى أن يعمر (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثا) (النساء:42) (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) (المعارج:11) ، والله عز وجل ودود يحقق أماني المؤمنين إذا عبدوه وأطاعوه، ويخيب رجاء الكافرين المشركين، فتحقيق الله للأمنية مبني على العمل وصدق النية، (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّا وَلا نَصِيرا) (النساء:123) ولكن الله ودود قريب يعامل المؤمنين بفضله ويعامل الكافرين بعدله، روى مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أنه قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَة يُنْكَبُهَا أَوِ الشَّوْكَة يُشَاكُهَا، وعند مسلم أيضا من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْتَ قَالَ: وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت