فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 248

يدعو إلا إذا اعتقد النفع فيه، ويتضح الأمر لو علمنا أن أنواع التقدير منها ما لا يقبل المحو والإثبات والتغيير، ومنها وما يقبل ذلك، فالتقدير الأزلي والميثاقي لا يقبلان محوا ولا تغيرا، ولا يعلمهما ملك مقرب ولا نبي مرسل، وقد ضن ربنا بهما إلا أن يطلع نبيا من الأنبياء لحكمة ما، كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن أبا لهب سيصلى نارا ذات لهب، وهذا القضاء قضاء مبرم لا يرد ولا يصد، أما بقية أنوع التقدير التي تتعلق بالأسباب الغيبية أو الأسباب المشهودة فهي تقبل والمحو والتعديل وتقبل التغير والتبديل، لأن الأسباب يدفع بعضها بعضا، كالتقدير العمري والتقدير السنوي والتقدير اليومي، وقد تحدثنا عنها بالتفصيل في موضوع الإيمان بالقضاء والقدر، فكل ما تعلق بالأسباب من أنواع التقدير فهي من القضاء المعلق، فالأسباب يدفع بعضها بعضا، والدعاء من الأسباب، وسؤال الله اللطف من أنواع الدعاء، فإن كان القائل: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه، يقصد بدعائه طلب التلطف في ترابط الأسباب وتدافعها من قبل مقلبها، اعتقاد منه أنه الذي يقلبها، وأنه سيسلم إذا دعا الله بها، مع إيمانه بأن كل شيء بقضاء وقدر وأن ما كتبه الله سوف يكون، فهذا لا بأس به، كأن يدعوا باسمه اللطيف أن يلطف به من موت محقق كادت أن تصدم فيه سيارتان، أو هلاك ظاهر في الوجه تذهب فيه العينان، أو ما شابه ذلك مما يحدث لكل إنسان، فليس في ذلك سوء أدب مع الله كما ذكره البعض والله أعلم.

أما دعاء العبادة فهو عمل العبد بمقتضى توحيده لاسم الله اللطيف، فيتلطف الموحد للمسلمين ويحنو على اليتامى والمساكين، ويسعى في الوفاق بين المتخاصمين، وينتقي لطائف القول في حديثه مع الآخرين، ويبش في وجوههم بتسم المتبسمين، ويحمل قولهم على ما يتمناه من السامعين، فإن الظن مهلكة حذر منها المؤمنين، وقد ذم الله أناسا من المنافقين اتهموا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، بفرية رفع الله بظلمهم لها قدرها، ورد كيديهم وإيذاءهم لزوجها صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لطيفا بها، ولكنه بقولهم تأثر وتغير لها، وهو صلى الله عليه وسلم بشر، ربما يتأثر بمثل هذا الخبر، روي البخاري من حديث عَائِشَة رضي الله عنها أنها قَالَتْ في حادثة الإفك: (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، لاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّى لاَ أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِى، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلاَ أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، في رواية أخري إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك في شكواي تلك) .

وعند مسلم من حديث عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لها: (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاهُ) ، وعند الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ) ، وفي سنن الترمذي كتاب المناقب عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) .

الاسم السابع والخمسون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله الودود، فقد سمي الله نفسه به علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في نصين اثنين من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت