فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 248

والودود في اللغة أيضا قد يأتي على معنى المعية والمصاحبة أو المرافقة والمصادقة، كما ورد عند مسلم من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ فَقُلْنَا لَهُ أَصْلَحَكَ اللهُ إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ) ، والله عز وجل ودود مع خلقه بمعية خاصة للمؤمنين مقتضاها النصر والتأييد، ومعية عامة للخلائق أجمعين مقتضاها العلم والإحاطة.

واسم الله الودود يدل علي ذات الله وعلي صفة المحبة والود بدلالة المطابقة، وعلي ذات الله وحدها بالتضمن، وعلي صفة المحبة والود وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية، والرحمة والمعية، والعطاء والمحبة، واللطف والرأفة، وغير ذلك من أوصاف الكمال واسم الله الودود دل علي صفة من صفات الأفعال.

كيف ندعو الله باسمه الودود دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء المسألة، نستشهد له بدعاء نبوي رواه الترمذي في سننه وابن خزيمة في صحيحه، من حديث ابن عباس مرفوعا: (اللهُمَّ ذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ وَالأَمْرِ الرَّشِيدِ، أَسْأَلُكَ الأَمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ، وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ، مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ، الرُّكَّعِ السُّجُودِ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ وَأَنْتَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ) وإن كان الشيخ الألباني قد ذكره في ضعيف الجامع (1194) .

وهناك دعاء مأثور ذكره ابن حجر في الإصابه في ترجمة أبى معلق الأنصاري، وكان تاجرا يتجر بمال له ولغيره وكان له نسك وورع، فخرج مرة فلقيه لص متقنع في السلاح، فقال: ضع متاعك فإني قاتلك، قال: شأنك بالمال قال: لست أريد إلا دمك، قال: فذرني أصلي، قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى فكان من دعائه: يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعالا لما يريد أسألك بعزتك التي لا ترام وملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني قالها ثلاثا، فإذا هو بفارس بيده حربة رافعها بين أذني فرسه فطعن اللص فقتله.

أما دعاء العبادة فهو آثر توحيد العبد لله في اسمه الودود، ويتجلى في حب الخير لجميع الخلق، فيحب للعاصي التوبة والمغفرة، وللمطيع الثبات وحسن المنزلة، ويكون ودودا لعباد الله فيعفو عمن أساء إليه، ويلين مع البعيد كما يلين مع أقرب الناس إليه، ويكون ودودا مع خاصة أهله وعشيرته فالرسول صلى الله عليه وسلم أصيب في رباعيته من قبل قومه وقرابته، فلم يمنعه سوء صنيعهم أن يستغفر لهم، وعند البخاري من حديث ابن مسعود قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَحْكِى نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: (اللهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) ، ومن أعظم الود وتوحيد الله في اسمه الودود مودة الرجل لزوجته ورفقه بها وكذلك مودة المرأة لزوجها، وروى الطبراني وقال الشيخ الألباني حسن لغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بنسائكم في الجنة قلنا بلي يا رسول الله قال ودود ولود إذا غضبت أو أسيء إليها أو غضب زوجها قالت هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضي) ، وقال تعالى: (إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّا) (مريم:96) أي حبا في قلوب عباده كما رواه البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا، فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِى جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت