بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ قَالَ عَهِدَ إِلَىَّ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ، فَالْتَفَتَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِى ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلاَ بِهِ إِلَي الْجَبَّارِ فَقَالَ وَهْوَ مَكَانَهُ يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا، فَإِنَّ أُمَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ هَذَا)، وعند مسلم من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: (يَأْخُذُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ سَماَوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ) ، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أنه لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَجَدَ مِنْهَا رِيحَ الطِّيبِ يُنْفَحُ وَلِذَيْلِهَا إِعْصَارٌ فَقَالَ يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ وَلَهُ تَطَيَّبْتِ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ لاِمْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ)، وعند البخاري من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال: (فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) .
والجبار صيغة مبالغة من اسم الفاعل الجابر وهو الموصوف بالجبر فعله جبر يجبر جبرا، وأصل الجبر إصلاح الشيء بضرب من القهر، ومنه جبر العظم أي أصلح كسره، وجبر الفقير أغناه، وجبر الخاسر عوضه، وجبر المريض عالجه حتى يبرأ، ويستعمل الجبر بمعنى الإكراه على الفعل والإلزام بلا تخير، والله جبار الخلائق المحتاجة إليه، فيجبر الفقر بالغنى والمرض بالصحة، والخيبة والفشل بالتوفيق والأمل، والخوف والحزن بالأمن والاطمئنان، والجبار عند الجبرية بمعنى الإكراه على الفعل وهو مردود لقوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256) ، وإنما يتحقق الجبار بمعنى الإجبار فيما لا اختيار فيه ولا تكليف به ولا مسؤولية عليه، كالسنن الكونية التي لا تحويل فيها ولا تبديل، ومنها الحركات اللاإرادية في الإنسان كحركة القلب وسريان النفس والروح في الأبدان، والجبار من معاني العظمة والكبرياء وهو في حق الله وصف محمود من معان الكمال، وفى حق العباد وصف مذموم من معاني النقص، فالكبر ولو بذرة مذموم مرفوض: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار ٍ) (غافر:35) (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم:15) (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (هود:59) .
واسم الله الجبار يدل على ذات الله وعلى صفة الجبروت بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة الجبروت بدلالة التضمن، فالجبار هو المتصف بالجبروت، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَقُولُ في رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ ذي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ)، واسم الله الجبار يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعزة والقوة والملك والقدرة وعلو الشأن والقهر، العظمة والصمدية، والكبرياء والمجد والهيمنة، واسم الله الجبار دل على صفة من صفات الأفعال.
كيف ندعو الله باسمه الجبار دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة أن يستجير في دعائه بالجبار من كل جبار كما قال موسي عليه السلام في قول رب العزة والجلال: (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ