فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 248

المقدور ولا ريب أن الله سبحانه يقدر على غير هذا العالم وعلى إبداع غيره إلى ما لا يتناهى كثرة، ويقدر على غير ما فعله، كما بين ذلك في غير موضع من القرآن، وقد يراد به أنه ما يمكن أحسن منه ولا أكمل منه فهذا ليس قدحا في القدرة، بل قد أثبت قدرته على غير ما فعله، لكن قال ما فعله أحسن وأكمل مما لم يفعله، وهذا وصف له سبحانه بالكرم والجود والإحسان، وهو سبحانه الأكرم فلا يتصور أكرم منه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا).

قال ابن القيم: براهين المعاد في القرآن مبينة على ثلاثة أصول: أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه كما قال في جواب من قال: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ، وقال: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيم ُ) (الحجر:86) ، والثاني: تقرير كمال قدرته كقوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ) ، الثالث: كمال حكمته كقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الدخان:38) وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115) ، قال ابن كثير: (وقوله إن ربك هو الخلاق العليم تقرير للمعاد وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء العليم بما تمزق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض) .

والقرطبي يجعل الخلاق دالا أيضا تقدير الله للأخلاق وتقسيمها بين العباد وهذا يسعه اللفظ ويحتمله، يقول القرطبي: (إن ربك هو الخلاق أي المقدر للخلق والأخلاق العليم بأهل الوفاق والنفاق) .

واسم الله الخلاق يدل على ذات الله وعلى صفة العظمة في الخالقية بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى العظمة في الخالقية وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعلم الأحدية والقدرة والصمدية، والغنى والعزة، والجلال والقوة، واسم الله الخلاق دل على صفة من صفات الفعل.

كيف ندعو الله باسمه الخلاق دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في دعاء جابر بن عبد الله: (اللهم إنك خلاق عظيم إنك سميع عليم إنك غفور رحيم إنك رب العرش العظيم إنك البر الجواد الكريم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واجبرني وارفعني واهدني ولا تضلني وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين) .

أما دعاء العبادة، فهو يقين الشخص بما يقتضيه الاسم فيؤمن بالبعث والحكمة، وكمال العلم والقدرة، وأن الله لا يعجزه شيء ولا غالب لأمر، فإن أقر بذلك فقد وحد الله في اسمه الخلاق، وفي صحيح من حديث عُبَادَة بْنُ الصَّامِتِ أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) وما أحسن قول القائل: يمضى الزمان وكل فان ذاهب إلا جميل الذكر فهو الباقي، لم يبق من إيوان كسرى بعد ذاك الحفل إلا الذكر في الأوراق، هل كان للسفاح والمنصور والمهدي من ذكر على الإطلاق، رجع التراب إلى التراب بما اقتضت في كل خلق حكمة الخلاق.

الاسم الخامس والأربعون من أسماء الله الحسنى وهو اسم الله البارئ، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في نصين اثنين من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، كما ورد في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت