فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 248

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر:24) (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:54) .

والبارئ في اللغة اسم فاعل، فعله برأ يبرأ برءا، وبرؤ بضم الراء أي خلا من العيب أو التهمة أو المذمة، فخلي منها وخلص وتنزه عن وصفه بالنقص، واسم الله البارئ على ذلك المعنى دل على صفة من صفات الذات، والبارئ أيضا هو الذي أبرأ الخلق، وفصل كل جنس عن الآخر، وصور كل مخلوق بما ينساب الغاية من خلقه، فدل الاسم بهذا المعني على وصف فعل لأن ذلك يتعلق بمشيئة الله وقدرته، فالاسم دل على صفة من صفات الذات والفعل معا، وقد أضفناه في الأسماء التي تدل على صفات الفعل، لأن الله عز وجل ذكره بين الخالق والمصور فقال: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى) وهما من الأسماء التي تدل على صفات الفعل.

والبريء مرادف للبراء كما في قوله تعالى: (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) وكقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ) وأبرأ فلانا من حق له عليه أي خلصه منه، وبرئ المريض أي شفي من مرضه، ومنه ما رواه مسلم من حديث أَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) ، وعند البخاري من حديث كعب بن مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ رضي الله عنه خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّىَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا.

وبرأ الله الشيء أي خلقه صالحا ومناسبا للمهمة والغاية التي أرادها من خلقه , ومنه بريت القلم أي جعلته صالحا للكتابة , وبريت السهم أي جعلته مناسبا وصالحا للإصابة، قال الشاعر: يا باري القوس بريا ليس يحكمه لا تفسد القوس أعط القوس باريها، فالبارئ هو الذي يتم الصنعة على وجه التدبير، وتحقيق المقدر وفق سابق التقدير يقول تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22) .

واسم الله البارئ يدل على ذات الله وعلى كمال العظمة في الذات والصنع بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى كمال العظمة في الذات والصنع وحدها بدلالة التضمن، فالبارئ كوصف فعل له هو الذي يبرأ كما قال على رضي الله عنه في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أَبِى جُحَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ لِعَلِىٍّ رضي الله عنه: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنَ الْوَحْي إِلاَّ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ الْعَقْلُ -الدية- وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، والله تسمي بالباري وموصوف بإحداث البرايا قبل وجود البرية كما قال الطحاوي: (ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري) ، فالله عز وجل لم يكن معطلا عن الخلق والإبراء والقدرة، ثم لما خلق الخلق أصبح خالقا بارئا قادرا، بل استحق هذا الأسماء قبل خلقهم وإنشائهم، واسم الله البارئ يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعلم الأحدية، والقدرة والصمدية، والغنى والعزة والقوة، والجلال والاتقان والخبرة، واسم الله البارئ دل على صفة من صفات الذات والفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت