فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 248

، فقوله في الحديث خلق الرحمة يوم خلقها، وقوله: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة، الرحمة هنا من باب إضافة المفعول إلى فاعله، وكقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (الأعراف:57) ، وعلى هذا فلا مانع من الدعاء الذي اشتهر بين الناس قديما وحديثا، وهو قول الداعي اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك، لأن بعض الناس يكره ذلك ويقول إن مستقر رحمته ذاته، وهذا يصح لو كانت الرحمة هي فقط من باب إضافة صفة إلى موصوف، وليس هذا مراد الداعي بل مراده الرحمة المخلوقة التي هي الجنة، فالداعي يطلب أن يجمعه الله مع من يحب في المكان الذي تستقر فيه تلك الرحمة المخلوقة في الجنة، وهذا ظاهر جدا فلا مانع من الدعاء به.

كيف ندعو الله باسمه الرحمن دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة هو أن يتخير الاسم أو الوصف الذي دل عليه الاسم في دعائه لربه، يتوسل به تحقيقا لطلبه، ومن ذلك ما رواه الطبراني في الصغير وحسنه الشيخ الألباني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك، قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك) .

وفي المسند في الحديث الذي ذكرناه وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَنْبَشٍ التَّمِيمِىِّ رضي الله عنه أن رجلا سَأَلَه كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ قَالَ جَاءَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَوْدِيَةِ وَتَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجِبَالِ وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِقَ بِهَا وَجْهَ َسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَهَبَطَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قُلْ قَالَ مَا أَقُولُ: قَالَ قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلاَّ طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ، قَالَ فَطَفِئَتْ نَارُهُمْ وَهَزَمَهُمْ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

أما دعاء العبادة فهو امتلاء القلب بالرحمة والحب والحرص على ما ينفع الخلق سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، فالمؤمنون يحب لهم ما يحب لنفسه، فيوقر كبيرهم ويرحم ضعيفهم ويجعل حبل الرحمة ممدودا بينهم، ويسعد بسعادتهم ويحزن لحزنهم، أما رحمته بالكافرين فيحرص على دعوتهم، ويسهم في إخماد النار التي تشتعل فيهم بسبب كفرهم ودون وعي منهم، فيجتهد في نصيحتهم والأخذ على أيدهم، حتى لو بجهادهم في بعض المواطن، فلو أن الكافر علم ما ينتظره من العذاب لشكر كل من دعاه إلى اتقائه ومحاولة منعه ولو بالقوة، وعند أبي أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) وفي زيادة صحيحة عند الترمذي (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ - الشجنة هي القرابة المتشابكة - فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ) ، وفي المسند أيضا وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِى أن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: (ارْحَمُوا تُرْحَمُوا وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُمْ وَيْلٌ لأَقْمَاعِ الْقَوْلِ -هم الذين يسمعون ولا يعملون به، شبه آذانهم بالأقماع المخرومة يصب فيها الكلام صب الماء في الإناء - وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت