فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 248

هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ، قُلْنَا لاَ وَاللَّهِ وَهِىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا.

فالرحمة التي دل عليها اسمه الرحمن رحمة عامة بأهل الدنيا كما قال تعالى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (القصص:73) ، (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (الفرقان:48) ، (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:50) ، ولما كانت الرحمة التي دل عليها اسمه الرحمن رحمة عامة بالخلائق في الدنيا، فإن الله خص اسمه الرحمن عند ذكر استوائه على عرشه فقال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:5) ، لأنه فوق الكل مؤمنهم وكافرهم، وحياتهم قائمة بإذنه، وأرزاقهم مكنونة في غيبه، وبقائهم رهن مشيئته وأمره، فلا حول ولا قوة لهم إلا بقوته وحوله، فهو الملك والكل في مملكته (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) (الفرقان:59) .

واسم الله الرحمن يدل على ذات الله وعلى صفة الرحمة العامة بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة الرحمة العامة وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والغنى والأحدية، والعزة والصمدية، وكل ما يلزم لقيام وصف من يرحم رحمة مطلقة عامة، وما يترتب عليها، واسم الله الرحمن دل على صفة من صفات الفعل، لأنها تتعلق بمشيئته وإن كانت عامة، لأن الرحمة العامة التي تلحق الكافرين والمشركين والتي بها خلقهم ورزقهم وجعلهم ينعمون ويختارون كفرهم وغيهم، إنما ذلك إلى حين أجل لهم فيه عقابهم، فالرحمن اسم يدل على صفة الرحمة العامة بالمخلوقات في الدنيا، لكنها مقيدة خاصة بانتهائها، فهي عامة من وجه وخاصة من وجه آخر.

والرحمة التي دل عليها اسم الله الرحمن هي من إضافة صفة لموصوف، لأن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: أحدهما رحمة مضافة إليه من باب إضافة المفعول إلى فاعله، والثاني رحمة مضافة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف بها، فمن الأول ما ورد عند البخاري ومسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطٍ قَطٍ قَطٍ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا، فقوله في الحديث أنت رحمتي أرحم بك من أشاء عبادي، فهذه رحمة مخلوقة مضافة إلي الله، إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى، وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة، وخص بها أهل الرحمة، وإنما يدخلها الرحماء، ومنه ما ورد عند البخاري في الحديث السابق من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ، وكذلك قوله منه قوله تعالى:(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ) (هود:9)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت