وروى ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ لهُ مَنْزِلاَنِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى(أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) . (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون:11) .
والوارث اسم فاعل للموصوف بالوراثة من غيره، فعله ورث يرث ورثا وإرثا ووراثة، والوراثة في حقنا انتقال المال أو الملك من المتقدم إلى المتأخر، ومنه وارث مال الميت يملك تركته ووارث الملك يرث سلطانه، والله هو الوارث الباقي وغيره هالك فان، والخلائق يتعاقبون على الأرض، فيرث المتأخر المتقدم، والولد والده، ويستمر التوارث حتى ينقطع حبل الحياة، ولا يبقى في الأخير غير الله الوارث الكبير، فالوارث سبحانه هو الباقي بعد فناء الخلق، أو الوارث لجميع الأشياء بعد فناء أهلها، قال تعالى: (وَلِلهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران:180) (وَمَا لكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الحديد:10) ، وقد تحدثنا في اسم الله الآخر أن بقاء المخلوقات في الجنة لا يعني أنها تشارك الله في البقاء، وكذلك فإنها لا تتعارض مع اسم الله الوارث، لأن خلد الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، أما صفات الله عز وجل فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته باقية ببقاء ذاته سبحانه وتعالى لأن البقاء صفة ذاتية له فهو الوارث لجميع الخلائق في الدنيا والآخرة.
واسم الله الوارث يدل على ذات الله وعلى صفة البقاء المطلق بدلالة المطابقة وعلى ذات الله وحدها بالتضمن وعلى صفة البقاء وحدها بدلالة التضمن ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والقوة والأحدية، والقدرة والصمدية والكبرياء والعزة، والملك والعظمة، وكل ما يلزم لمعنى البقاء وما يترتب عليه، واسم الله الوارث دل على صفة من صفات الذات والفعل معا.
كيف ندعو الله باسمه الوارث دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في قوله تعالى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) (الأنبياء:89) فقد كان يبتغي الولد مع انقطاع الأسباب، فدعا الله بما ينساب حاله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَل الرَّأْسُ شَيْبًا وَلمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لمْ نَجْعَل لهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) ، وروي الترمذي وحسنه الألباني عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (اللهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي وَعَافِنِي فِي بَصَرِي وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّى لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالمِينَ) .
أما دعاء العبادة، فسلوك العبد يظهر فيه معني البقاء لله، ويقينه بالزوال عن الحياة إلى أخراه، فيتقي الله في حقوق الإرث ولا يظلم أحدا، ويوقن أن الله هو الذي يقسم الأرزاق وأن الميراث الحقيقي هو ميراث العلم والأخلاق، وميراث عدن والنعيم والفردوس يقول تعالى: (إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِل صَالِحًا فَأُوْلئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لغْوًا إِلا سَلامًا وَلهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ الْجَنَّةُ التِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) (الذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون:11) ، وقال تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (النساء:8) روى البخاري من