فالغني الحقيقي هو غني النفس وعلو الإيمان كما ثبت في السنة مما روي الشيخان عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال: (ليْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) ، وفي صحيح البخاري من حديث الْحَسَنَ أنه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم أُتِىَ بِمَالٍ أَوْ سَبْىٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا فَبَلغَهُ أَنَّ الذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَليْهِ، ثُمَّ قَال: أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لأُعْطِى الرَّجُل، وَأَدَعُ الرَّجُل، وَالذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلىَّ مِنَ الذِي أُعْطِى وَلكِنْ أُعْطِى أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلى مَا جَعَل اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حُمْرَ النَّعَمِ.
ولا يمنع ذلك الأخذ بالأسباب طلبا للغني والتقوي على طاعة الله، وإعانة الأمة وإغناء الفقراء من فضل الله، مع توحيد الأغنياء لله في اسمه الغني، واعتقادهم أنهم فقراء إلى ربهم مهما بلغت أموالهم ومناصبهم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15) وفي صحيح مسلم من حديث عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ قَال كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ فَلمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَال أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ فَنَزَل فَقَال لهُ أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ فَقَال اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قَال جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَال يَا رَسُول اللهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَال: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلاَ تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا، وَلِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ.
وعند البخاري من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: قَال رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلى سَارِقٍ، فَقَال اللهُمَّ لكَ الْحَمْدُ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدَىْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ الليْلةَ عَلى زَانِيَةٍ، فَقَال اللهُمَّ لكَ الْحَمْدُ عَلى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدَىْ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلى غَنِىٍّ فَقَال اللهُمَّ لكَ الْحَمْدُ، عَلى سَارِقٍ وَعَلى زَانِيَةٍ وَعَلى غَنِىٍّ، فَأُتِىَ فَقِيل لهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلى سَارِقٍ فَلعَلهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلعَلهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِىُّ فَلعَلهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ
وعند البخاري من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ رضى الله عنه أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال له: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فِى امْرَأَتِكَ) ، وعند البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: مَطْلُ الْغَنِىِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلى مَلِىٍّ فَلْيَتْبَعْ.
الاسم التاسع والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه الوارث فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق والتعظيم مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في بعض النصوص القرآنية، كما ورد في قوله تعالى: (وَإِنَّا لنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُون) (الحجر:23) (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) (الأنبياء:89) (وَكَمْ أَهْلكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص:58) .