والابتلاء؛ ليتبين ثباتهم وصدقهم، ولذلك قالوا: فارقنا الناس في الدنيا ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وذلك لأنهم عصوا الله وخالفوا أمره وناصبوا من أطاعه العداوة، فعاديناهم لذلك، وزايلناهم بغضًا لهم في الله، وإيثارًا لطاعة ربنا، كما قال إبراهيم عليه السلام، والذين معه من الرسل والمؤمنين: {قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [1] .
قوله: (( إليه ) )قال مصححو الطبعة البولاقية: (( هكذا في جميع النسخ متنًا وشرحاَ بضمير الإفراد، وهو مخالف لما ذكره الشارح [يعني: القسطلاني] نقلًا عن البرماوي والكرماني والعيني، حيث قال: (( وكنا في ذلك الوقت أحوج إليهم ) )وتقدم في تفسير سورة النساء بضمير الجمع )) [2] .
وقد أشار الحافظ إلى صحة الإفراد، وأن عياضًا رجحه، وجعل الضمير عائدًا إلى الله تعالى، والمعنى: (( فارقنا الناس في معبوداتهم، ولم نصاحبهم، ونحن اليوم أحوج إلى ربنا من أي يوم كان، أي: إنا محتاجون إليه ) ) [3] .
قوله: (( وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا ) )يعني: أنهم امتثلوا قول المنادي، وليسوا ممن يعبد تلك المعبودات التي أحضرت إلى عابديها، ثم سيقوا معها إلى النار، وقد علموا أن ربهم تعالى سيأتيهم.
قوله: (( فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ) ).
وقد تقدم الكلام في الصورة بما يكفي، وفي الرواية التي ذكرها في (( التفسير ) ): (( أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة ) )وهو لفظ
(1) الآية 4 من سورة الممتحنة.
(2) حاشية البخاري (( طبعة بولاق ) ) (9/159) .
(3) انظر (( فتح الباري ) ) (11/450) .