ومن زعم أن الله يأمر بهذا، فهو مفتر على الله.
وإن كان الملك يقول امتحانًا، فهذا لا يصلح، كما لا يصلح أن يقول أحد من الأنبياء والمرسلين للناس: أنا ربكم، على سبيل الامتحان.
ولسنا ننكر الامتحان في القيامة، فإن المحنة لا تنقطع إلا بدخول دار الجزاء، الجنة أو النار، ولكن المحنة من الملائكة أن يقول للعبد: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟
الوجه الخامس: أنه لو كان الممتحن لهم في ذلك الموقف، ملكًا من الملائكة، لقال لهم: من ربكم؟ ومن تعبدون؟ ويقال لهم: هلا تذهبون مع ربكم؟ إذ من الممكن أن يظهر لهم صورة، ويقول لهم الملك: هلا تذهبون مع هذه الصورة؟ كما أنه في أول الحديث قال: وأذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد.
فلو كان المخاطب لهم عن الله - تعالى - لقال ما يصلح له، كما في نظائر ذلك، ولكن من شأن الجهمية أنهم يجعلون المخاطب للعباد بدعوى الربوبية غير الله، كما قالوا: إن الخطاب الذي سمعه موسى، بقوله: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} [1] ، كان قائمًا بمخلوق، كالشجرة، وكما قالوا: في قوله: (( من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ) ) [2] . إنه يقول هذا ملك من الملائكة. وهذا كله من الكفر والإلحاد. وكما يزعم الرازي في قوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [3] . أن ربه ملك من الملائكة.
(1) الآية 12 من سورة طه.
(2) الحديث سيأتي.
(3) الآية 22 من سورة الفجر، انظر: (( تفسير الرازي ) ) (31/ 173) ومراده قوله: (( الرب هو المربي، ولعل ملكًا هو أعظم الملائكة هو مربِّ للنبي - صلى الله عليه وسلم - جاء، فكان هو المراد من قوله: وجاء ربك ) ) (ص 174) .