ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى خلق له علمًا، والذي لا يعلم هو جاهل" [1] ."
بين الإمام - رحمه الله تعالى - أنه -تعالى- لم يزل متكلمًا، قادرًا، فعالًا لما يريد، فلم يكن قبل وجود الخلق معطلًا عن الفعل، كما هو مقتضى قول الذين أنكروا وجود حوادث لا أول لها، وزعموا أن هذا قول الفلاسفة الدهرية، وفي الواقع هو قول السلف، وهو الذي دلت عليه نصوص الشرع، وأيده العقل، وإن كان كل مفعول معين حادث بعد أن لم يكن، وأما فعل الله الذي هو صفته فلم يزل، فلا أول له.
فمفعولات الله -تعالى- باعتبار أعيانها لها مبدأ فهي كائنة بعد العدم.
أما باعتبار كون الفعل صفة من صفات الله -تعالى-، وإن لم يكن متعلق موجود، فهو لا أول له.
قال الإمام أبو سعيد الدارمي - رحمه الله:"والله -تعالى وتقدس اسمه - كل أسمائه سواء، لم يزل كذلك، ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن، كذلك كان خالقًا قبل المخلوقين، ورازقًا قبل المرزوقين، وعالمًا قبل المعلومين، وسميعاٌ قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، بصيرًا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة" [2] .
والمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - لم يزل فعالا لما يريد، وأنه لم يكن معطلًا عن الفعل حتى خلق هذا الكون المشهود، الذي سأل عن مبدئه أهل اليمن، قال شيخ الإسلام:
"لا نزاع بين أهل الملل أن الله - سبحانه - كان قبل أن يخلق هذه الأمكنة والأزمنة، وأن وجوده لا يجب أن يقارن هذه الأزمنة والأمكنة" [3] .
قوله:"كان الله، ولم يكن شيء قبله"تقدم في كلام شيخ الإسلام أن هذا اللفظ هو الذي قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن اللفظين الآخرين رويا بالمعنى، وهما"لم يكن"
شيء غيره"و"لم يكن شيء معه"، وأيد ذلك بأنه من معنى قوله - تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [4] ."
(1) "الرد على الجهمية" (ص90-92) عقائد السلف.
(2) نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي.
(3) "نقض التأسيس" (1/562) .
(4) الآية 3 من سورة الحديد.